المقدمة

أبو رملة محمد المنصور إبراهيم

 

الحمد لله الذي ارتفع على عرشه في السماء ، وجلّى باليقين قلوب صفوته الأتقياء ، وبلى خلقه بالسعادة والشقاء . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مؤمن بالحشر واللقاء ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الشهيد على الأمة الشهداء ، المبعوث بالبينات والهدى وترك المراء ،  وكرّم ، صلاة دائمة إلى يوم الدين ، وعلى آله وصحبه أجمعين.[1] وبعد :

 

فإن الله عز وجل قد أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا . وإكمال هذا الدين يعني أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه لم يرحل عن الدنيا إلا بعد أن بيّن للأمة كل مل تحتاج إليه من أمور الدين بحيث لا يبقى فيه أي لبس أو اشتباه، أو حاجة إلى بيان أحد سواه. وأعظم ذلك وأشرفه هو معرفتهم بربهم بأسمائه وصفاته لأن ذلك أعظم دعائم الدين ومبادئه. وههنا حقائق أود تنبيه القارئ الكريم عليها:

 

الحقيقة الأولى : أن العقيدة مرجعها إلى كتاب الله وسنة رسوله المصطفى لا إلى أهواء الناس وأقيستهم ، وأنه ليس هناك أعلم بالله من الله ، ولا من الخلق أعلم به من رسول الله  . كما أنه ليس هناك أنصح للأمة ولا أحسن بيانا ولا أعظم بلاغا منه  . فإذا ثبت وصف الله عز وجل بشيء من الصفات في كتابه الكريم أو ثبت ذلك في سنة نبيه المصطفى الأمين وجب على المسلم اعتقاد ذلك وأنه هو التنزيه اللائق بذاته جل جلاله . قال الله تعالى : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.[الأحزاب : 36] .

 

الحقيقة الثانية : أن أصحاب رسول الله  لم يجهلوا معاني صفات الله تعالى ولا ارتابوا في وصف الله عز وجل بها بل ولا سألوا رسول الله  عن شيء منها . وهم الذين سألوه عن الأنفال واليتامى والأهلة والخمر والميسر والمحيض وغيرها . ولا يجوز لنا أن نفهم أن العلم بأمر المحيض أعظم شأنا وأجل مكانة عند الصحابة من معرفة صفات الله التي هي أعظم أسباب محبته وإجلاله [2]. ولا يجوز أن نعدل عن طريقتهم فيها إلى طريقة المتفلسفة والمتكلمين الذين هم - كما وصفهم الشيخ أحمد بن عبد السلام – قد أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء، وأعطوا فهوما وما أعطوا علوما، وأعطوا سمعا وأبصارا وأفئدة " فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ" [الأحقاف:23].[3]

وقال الشعراني – كما نقل عنه ابن فودي رحمهما الله – وهو يتحدث عن أرباب الكلام: فقطعوا عمرهم برد خصوم متوهمة أو خصوم موجودة لكن بلازم المذهب وذلك ليس بمذهب على الراجح. ويتخيل لصاحب الكلام في مثل ذلك أنه يتكلم مع غيره بل مع نفسه ... إلى أن قال: ..فالعاقل اليوم من اشتغل بالعلوم الشرعية لقيام الدين بها فإنك لو مت ولم تعلم الكلام لم تسئل عنه"[4].

 

الحقيقة الثالثة : أن إثبات صفات الله تعالى الذاتية أو الفعلية لا يستلزم نسبة النقص أو العجز أو عدم الكمال لله ، بل صفات الله كلها صفات كمال وجلال ولا تشبه صفات المخلوقين بوجه من الوجوه. بل للخالق صفات تليق بجلاله وعظمته وكماله وللمخلوقين صفات تناسب ضعفهم وعجزهم وافتقارهم كما قال سبحانه ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: 10] وقد قال سبحانه ﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا﴾ [الإنسان : 2] فالله عز وجل سميع بصير سمعا يليق بعظمته وجلاله وبصرا يليق بعلّوه وكمال سلطانه والإنسان سميع بصير على قدر ما يناسب مخلوقيته وعجزه . فلا ننفي عن الله صفاته ونقول إنها من صفات المخلوقين ولا نشبّه صفات الباري بصفات البرية .

 

الحقيقة الرابعة : أن السبب في اختلاف الناس في مسائل التوحيد هو بُعدهم عن دراسة القرآن الكريم وأحاديث النبي الصحيحة وكذلك عدم استيعابهم لأقوال السلف في مسائل التوحيد . فقد صارت كتب الكلام والتي وصفت بكتب التوحيد هي العمدة في معرفة الله بعيدا عن هدى القرآن الكريم والسنة النبوية وآثار السلف . فخذ مثلا أحد تفاسير السلف كالنسائي وأبي حاتم والبغوي أو من بعدهم كالحافظين الطبري وابن كثير من أولها إلى آخرها لا تجد فيها إلا التسليم لله ولرسوله. وخذ بعد ذلك كتاب التوحيد من صحيح البخاري لن تجد فيه تأويل صفات الله تعالى بل ستجد فيه :

 باب ﴿وكان عرشه على الماء﴾ ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ قال أبو العالية : استوى إلى السماء ارتفع ، فسواهن : خلقهن . وقال مجاهد : استوى : علا على العرش.([5])

 

وتجد فيه أيضا :

باب قول الله تعالى : ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ وقوله جل ذكره ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ وقال أبو حمزة عن ابن عباس: بلغ أبا ذر مبعث النبي  فقال لأخيه: اعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء . وقال مجاهد: (والعمل الصالح) يرفع الكلم الطيب. يقال: (ذي المعارج) الملائكة تعرج إلى الله.[6]

 

كما تجد فيه وفي غيره من كتب الصحاح من الأحاديث النبوية والآثار السلفية ما لو اشتغل به طلاب العلم لما صُرفوا إلى المتاهات وتنزيه الله مما وصف نفسه به ظنا أن هذا الذي وصف الله نفسه به من صفات النقص لا من صفات الكمال.

 

الحقيقة الخامسة : أن الأمة الإسلامية لم تختلف في ربها ووصفه بصفاته العليّة المقدسّة التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله  إلا بعد ترجمة كتب اليونان ودخول الفلسفة وعلم الكلام إلى بلاد المسلمين .[7] ولذلك لا تجد عند سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم من علماء الأمة النطق بالكلمات المبتدَعة التي لم يرد بها كتاب الله ولا سنة رسوله مثل الجهة والمكان وما أشبه ذلك مما جاء به أهل الكلام ليردوا به ما في الكتاب والسنة وما أجمعت عليه الأمة من وصف الله بكل ما وصف به نفسه أو وصفه به أعلم الناس به وهو رسوله  . ومن أبرز أهل البدع الذين عرفوا بالحيدة عن النهج القويم : المعتزلة الذين كانوا - فضلا عن تحريفهم للآيات :

يشككون في الأحاديث التي تصطدم بمبادئهم ويكذبونها ، وإن علت درجتها في الصحة ، أو يؤولونها تأويلا باطلا ، بل ويتجاوزون هذا إلى تجريح راويها – لا أعني التابعي أو تابعي التابعي – بل الصحابي الذي رواه عن الرسول . يفعلون هذا إذا ما كان مصادما لمبدئ من مبادئهم ، بينما يستشهدون بالأحاديث الضعيفة بل والموضوعة ويعضون عليها بالنواجذ لنصرة مذهبهم الاعتزالي.[8]

 

إلا أن هذا المسلك لم يتوقف جريانه عند المعتزلة ، ولكن تعداهم إلى كثير من طوائف المسلمين الذين اتخذوا من علم الكلام متّكَئا لفهم الدين ومرتكَزا لمعرفة الله تعالى ، فحرفوا نصوص الكتاب وردّوا كثيرا من الأحاديث النبوية. وغلت في ذلك فرقة الجهمية وأتوا من الكلام بما لا يُحتمل، حتى قال الإمام عبد الله بن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية.[9]

 

وليعلم القارئ الكريم أن هذا البحث إنما جاء غيرة لله عز وجل ولرسوله  وحمية للدفاع عن عقيدة المسلمين الأولين لا هتكا لعرض أحد من الناس. وأنا على علم بأن بعض أهل العلم وطلبته قد كتب بحسن النية ما يخالف المعتقد الصحيح وأوّل كلام السلف على غير وجهه ، وحـمّله ما لا يحتمل . والله يجزيه على حسن نياته ويهدينا وإياه إلى صراطه المستقيم . وإني إذ أدعوه لقراءة هذا البحث قراءة منصف ناشد للحق أسأل الله لي وله ولجميع المسلمين أن يجعلنا من ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر :18].


-----------------------------------------------

[1] اقتباس من مقدمة الحافظ الذهبي لكتاب العرش ، تحقيق محمد حسن محمد حسن إسماعيل ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ،ط. الأولى ، 2003هـ/1424م ، ص11.

[2] قال أبو المعالي الجويني : "والذي نرتضيه رأيا ، وندين الله به عقيدة، اتباع سلف الأمة. والدليل القاطع السمعي في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوَّغا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشرع . وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع". انظر : العقيدة النظامية لأبي بكر ابن العربي ، مطبعة الأنوار ، القاهرة ، 1948م، ص23 ، وكتاب العرش للحافظ الذهبي ، ص151.

[3] مجموعة تفسير شيخ الإسلام 1/468.

[4] الجامع لفتوى الشيخ عثمان بن فودي، ص 36.

([5] )صحيح البخاري ، ك التوحيد ، باب 22.

[6] صحيح البخاري ، ك التوحيد ، باب 23.

[7] راجع : الفصل المنعقد لهذا في كتاب شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان ، مكتبة الدار ، المدينة المنورة ، ط. الأولى ، 1405هـ ، 1/9-20. وانظر أيضا : سير أعلام النبلاء في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل 11/236 وما بعده .

[8] العقلانيون أفراخ المعتزلة العصريون لعلي بن حسن بن علي بن عبد الحميد الحلبي الأثري ، مكتبة الغرباء الأثرية ،المدينة المنورة ، السعودية ، ط. الأولى ، 1413هـ/1993م ،ص176.

[9] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد للحافظ أبي عمر يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي ، تحقيق عبد الله بن الصديق وآخرين ، مصورة المكتبة التجارية بمكة المكرمة عن طبعة المغرب ، 1399هـ/1979م ،  7/143 . وفيه : قال وكيع : كُفّر بشر المريسي في صفته هذه . قال : هو في كل شيء ، قيل له : وفي قلنسوتك هذه ؟ قال : نعم . قيل له : وفي جوف حمار ؟ قال : نعم . تعالى الله عن قول المفترين علوا كبيرا .

[10] من شعر الداوودي (ت 467هـ) .

 


 

 

مقالات مرتبطة بـ المقدمة