المشهد الثاني: في جمالية الخوف والرجاء

الشيخ/ فريد الأنصاري


الخوف والرجاء تتميز بالجمال، والبهاء، والنور الدفاق. إذ كلها أوصاف لحركة المحبة الرائحة إلى الله، يحدوها نسيم الشوق المتردد بين هاجسي الخوف والرجاء.

فأما الرجاء، فهو الجناح الأيمن؛ لأنه الأقوى والمهيمن على الطيران والتحليق! وإنما الخوف خادم له. إذ الأصل في علاقة العباد بربهم رجاء.

وأما من غلب الخوف في الدنيا حتى إذا أدركه الموت غلب الرجاء، فباعتبار أن من خاف هنا أمِنَ هناك، كما سلف في قوله تعالى المذكور آنفا من سورة الإنسان:

{إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً}

(الإنسان: 10-11).

الأية. ثم باعتبار أن الخوف أنفع للعبد السالك من الرجاء؛ إذ هو الأجدى علاجاً لأمراض النفس والهوى! لكن إذا أشرف على لقاء ربه وجب أن يستبشر بلقائه، ويغلب الرجاء حينئذ على الخوف؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:

(لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى).

وأما (خوف العبادة) فهو ذوق نوراني، وخاطر رحماني، يفيض على قلب العبد من صفات الجلال في أسماء الله الحسنى! لِمَا يشاهده في سيره إلى ربه تعالى من مشاهد الْمُلْكِ العلوي، وشؤون الربوبية العظمى، ومقامها الجليل، المهيمن على الكون كله؛ خلقاً وأمراً، وتقديراً وتدبيراً من يوم التكليف بالأمانة إلى يوم التجلي للقضاء بين العباد! وما يتراءى للعبد في ذلك من مشاهد القهر والقوة والعزة والجبروت! ثم ما تنطوي عليه تلك الأقدار جميعُها من حِكَمٍ وأسرار، تضرب في عمق الغيب المجهول! مما ينتج عنه خوفٌ له لذة العبادة لله الواحد القهار، والأنس بالتقرب إليه تعالى. إنه إذن؛ خوف المحب من محبوبه.

مقالات مرتبطة بـ المشهد الثاني: في جمالية الخوف والرجاء