المشهد الثالث: في جمالية الموت

الشيخ/ فريد الأنصاري

الموت حقيقة من أغرب الحقائق الوجودية وأرهبها!.. ولو نظرت هناك في سجون الهواجس التي تعتقل أولئك الذين لا يؤمنون بالروح.. لوجدت حيرة كبرى وتخبطاً مظلماً!

ولكن.. ستبقى حقيقة الموت من حيث الجوهر – هذا اللغز العجيب في حياة البشر – حقيقة ذوقية لا تدرك ماهيتها إلا بتجربتها على الذات:

{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}

(آل عمران: 185)

هكذا (ذائقة!).. فلا أحد ينبئك عن جوهرها إلا أن تدخل بابها! وإنا لداخلوه ذوقاً خاصاً، أنا وأنت! و.. عما قريب!

الموت هذا القدر الغامض في حياة البشر: حقيقة (وجودية) رهيبة؛ لأنه شَكَّلَ، ولم يزل يُشَكِّلُ قَلَقاً كبيراً للإنسان. منذ غابر الأزمان، وعبر كل الحضارات البائدة، كان الإنسان يفكر في الموت تفكيراً وجودياً! يفكر بمشاعر الحيرة والقلق والتيه، في تفسير هذه الحقيقة الكبيرة الصارخة! وحاول عبثاً أن (يقهر) الموت؛ لكنه أنسحق مهزوماً تحت عجلاته انسحاقاً! فداسه الأجل المحتوم في الوقت المعلوم! ثم لجأ إلى تفسيره تفسيرات تدل على القلق والنفسية الهروبية! وقد دفن الفراعنة الذهب إلى جوار موتاهم؛ اعتقاداً منهم أن الميت سوف يبعث مرة أخرى إلى هذه الحياة الدنيا؛ ولكن هيهات فقد جاءت يد التنقيب عن الآثار فاستخرجت الكنوز الدفينة، التي قدر الله أن تكون من نصيب الأحياء، بعد آلاف السنين!


الموت: حقيقة مقلقة تغمر الشعور بالحيرة، ويضطرب إزاءها كل إنسان: الملحد والمجوسي، واليهودي، والنصراني، والعلماني.. وللمسلم إزاءها حيرته أيضاً! ولكنها حيرة تعبدية، حيرة توحيد وتسليم لقدر الله العجيب! إنها حيرة العبد المشوق بمعرفة غيب الله في حياة البرزخ، وسر قدرته العظيمة بعد ذلك في إحياء الموات.

الموت باب الدخول إلى وعد الله الكريم.. وإنما يخاف عنذئذ المكذبون، ولا خوف على من آمن بالله ثم استقام.. بل إنه يرجو وعد الله الكريم، وفضله العميم.

أما قلق الموت بالنسبة للكافر فحسرة وأسى! كيف يفني هذا الإنسان العظيم؟ كيف ينتهي بعد أعوام قلائل كل هذا العقل الجبار؟ ثم يمضي في النسيان بل في العدم، كأن لم يكن قط؟ الكل يموت! الفيلسوف، والفزيائي، والكميائي، والرياضي، والطبيب، وكذا الملك الجبار، والفقير المستضعف.. الكل يموت! عجباَ ألم يستطع الإنسان بعد أن يصد الموت؟ رغم كل هذا التقدم الهائل في وسائل التحكم، والتمكن من أسرار الحياة المادية؟ هذا التضخم الجبار في قوة الفضائيات، والمعلوميات، والحواسيب، والإلكترونيات، وتوظيفاتها المتعددة في التطبيب والتنقيب.. كل هذا.. كل هذا لم يفد الإنسان في اكتشاف سر الموت؟ هذا الرقي المادي الرهيب الغريب، المتدفق بلا حد ولا حصر.. ألم يفد الإنسان في أن يمد من عمره بعض يوم؟ ها هو ذا لم يزل كما كان، يتساقط كأوراق الخريف الذابلة، ما بين الستين والسبعين.. أو نحو ذلك، لا يزيد ولا ينقص إلا قليلاً!.

مقالات مرتبطة بـ المشهد الثالث: في جمالية الموت

  • الإشراق الثالث: في جمالية العباد

    الشيخ/ فريد الأنصاري

    المشهد الأول: في جمالية (الانتساب) التعبدي  العبادة: هي عنوان الجمال في الإسلام، وشعار المحبة. وإذا أحب الله

    05/08/2018 213
  • المشهد الثالث: في جمالية التفكر في توحيد الله

    الشيخ / فريد الأنصاري

    من أسرار هذا الدين ولطائفه أن باب عقيدته هو التفكر! قال عز وجل في مخاطبة الكفار عبر رسوله الكريم: {قُلْ إِنَّمَا

    19/07/2018 341
  • في جمالية العمر

    الشيخ / فريد الأنصاري

    الإشراق الثاني: في جمالية عقيدة اليوم الآخر المشهد الأول: في جمالية العمر من أهم مصادر الجمال في الإسلام

    19/07/2018 277