المرأة والنفس والواحدة

المرأة والنفس والواحدة

د. فريد الأنصاري

ما حد المرأة؟

سؤال نضعه اليوم ـ على منهجنا الجديد ـ في بحث الحقائق التي يسميها الناس (بدهيات)، والعود إلى تحقيق مفاهيم (المسَلَّمَات) التي رسخت في ذاكرة المجتمع الإنساني كذلك. ومشروعنا هذا قائم على مراجعة هذه البدهيات، التي تبين لنا أنها تحمل كثيرا من الأسرار التي يغطيها عنا الإلف الوجودي وعادة الحياة. نسأل: (ما) المرأة؟ لنجيب الجواب البدهي أيضا بأن المرأة هي أنثى الإنسان.

(أنثى الإنسان).. وتلك ضميمة اصطلاحية تضرب في عمق الغيب! وإنما الإنسان كل الإنسان (نفس). و(النفس) هي أساس الخلق البشري، كما هو نص القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء:1). (النفس الواحدة) إذن هي أساس الخلق، التي منها خلق الإنسان، كل الإنسان: ذكرانا وإناثا. والعجيب، الجدير بالتدبر والتأمل؛ أن مرجع آدم إلى (النفس الواحدة) مساوٍ لمرجع زوجه حواء. فهما في ذلك سواء. فالنفس مرجع كل منهما، وكل من كان من ذريتهما إلى يوم القيامة. وقصة خلق حواء من ضلع آدم كما هو مدلول الحديث النبوي الصحيح(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً).

النفس الواحدة:

تلك النفس، التي ذكرها الله جل علاه في غير ما موضع من القرآن العظيم، التي لا تحمل في الأصل صفة جنسية، لا ذكورة ولا أنوثة. وهذا أمر عجيب حقا. فلا الرجل ولا المرأة يمكنه أن يزعم أنه الأصل. وكون آدم – عليه السلام - أسبق في الخلق لا يعنى أنه الأصل. فهو الأصل بالمعنى الزمني، وليس الأصل بالمعنى الوجودي، ولا كذلك حواء. وليس الأمر كما زعم بعضهم أن المرأة فرع عن الرجل، ولا أن الرجل فرع عن المرأة، كما جاء عند صاحبة كتاب (الأنثى هي الأصل)()! وإنما هي النفس التي لا تحمل أي سيماء جنسية. إنها (نفس واحدة) على حد تعبير القرآن كما رأيت: (مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ). وفي هذا من التساوي الوجودي ما فيه. وأما التأنيث الوارد في صيغتها فإنما هو على عادة الاستعمال اللغوي العربي، ليس إلا. على نحو ما تقصده العرب في صيغها الصرفية، التي قد تؤنث وتذكر؛ لغير أنوثة جنسية ولا ذكورة. كما في تأنيثهم الشمس وتذكيرهم القمر. والقرآن نزل بلغة العرب. قال سبحانه:

(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)(الأعراف:189)

. وتدبر قوله تعالى:

(خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)(الزمر:6).

النفس إذن؛ هي جوهر كينونة الإنسان، ذكرا كان أو أنثى. ومن هنا سَوَّى الله بين الجنسين في عموم التكليف إلا ما استثناه الدليل لخصوص المحل. أما الأصل التكليفي فهو قوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْض)(آل عمران:195). فهذه الآية نص – باصطلاح الأصوليين - في تساوي التكليف الإلهي للإنسان، من حيث المبدأ الكلي، بغض النظر عن الفروق الجنسية العارضة من ذكورة وأنوثة. وإنما الصفة التي ينظر إليه بها ههنا هي كونه (عاملا) أم لا؟

فالإنسان له صورتان: الأولى نفسانية، والثانية جسمانية. ولكل صورة سيماء أو سيمياء. أي علامات ومواصفات منها تتشكل ما نسميه بـ(الشخصية). تماما كما تتميز كل صورة جسمانية بعلامات فارقة، هي سيماء ذلك الشخص المميزة له.

ذلك أن النفس مفارقة للجسم. وكينونتها هي على صورة نفسانية. قال عز وجل:

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا)(الشمس:7).

فالتسوية هي تمام الخلق. ولهذا قال بعد مباشرة في السياق: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا). ويؤيد هذا التفسير من القرآن والسنة: أولا قوله تعالى:

(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ)(الأعراف:172-173).

ومن هنا قول شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالنفس بفطرتها إذا تركت كانت مقرة لله بالالهية؛ محبةً له، تعبده لا تشرك به شيئا. ولكن يفسدها ما يزين لها شياطين الإنس والجن، بما يوحى بعضهم إلى بعض من الباطل. قال تعالى: " وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا"... الآية)().

ثانيا: قول الرسولe في الحديث الصحيح: (لما خلق الله آدم مسح ظهره؛ فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ثم جعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال‌:‌ أي رب! من هؤلاء‌?‌ قال‌:‌ هؤلاء ذريتك! فرأى رجلا منهم أعجبه نور ما بين عينيه، فقال‌:‌ أي رب! من هذا‌?‌ قال‌:‌ رجل من ذريتك في آخر الأمم يقال له داود، قال‌:‌ أي رب كم عمره‌?‌ قال: ستون سنة، قال‌:‌ فزده من عمري أربعين سنة!‌ قال‌:‌ إذن؛ يكتب ويختم، ولا يبدل! فلما انقضى عمر آدم جاء ملك الموت، فقال‌ [يعني آدم]:‌ أوَ لم يبق من عمري أربعون سنة‌?‌ قال‌:‌ أوَ لم تعطها ابنَك داود‌?‌ [وجَحَد آدمُ] فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته!)([4]).

فالحديث دال على أن الله خاطب الأنفس، وهي آنئذ لا تزال في عالم الذَّرِّ، أي نسمات في صلب آدم عليه السلام. وذلك قولهe في النص: (فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة). فاسم الفاعل (خالقها) دال في هذا السياق على الاستقبال. كأنه قال: (سيخلقها)، والمقصود بالخلق هنا الخلق النهائي بخلق النفس في الجسم. لأن النفس آنئذ لا تزال في عالم الذر نسمةً. كما أنه دال على أن لها صورة نفسانية لا جسمية. ودليله من النص قوله: (ثم جعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال‌:‌ أي رب! من هؤلاء‌?‌ قال‌:‌ هؤلاء ذريتك! فرأى رجلا منهم أعجبه نور ما بين عينيه، فقال‌:‌ أي رب! من هذا‌?‌...إلخ) فما كان ذلك ليكون؛ لو لم تكن الأنفس صورا أظهرها الله تعالى لآدم - عليه السلام – فأراه إياها بما شاء وكما شاء. فدل ذلك كله على وجود النفس مستقلة عن البدن، ودل أيضا على أن لها صورة غير جسمانية، ذات سيماء خاصة.

ومن النصوص العجيبة الدالة على ذلك أيضا قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (كنت نبيا وآدم بين الروح و الجسد!)() وقولهe: ‌(إن النفس المخلوقة لكائنة)(

وقد نجم عن هذه النصوص إشكال بين علماء الإسلام فيمَ خُلِقَ أولا: النفس أم البدن؟ وذلك نظرا لما دلت عليه ظواهرها من مخاطبة الأنفس في استقلال عن الأبدان، ومن إبصار بعضها لبعض في عالم الأرواح. وهذا خلاف نقله الإمام الرباني ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى. قال في شفاء العليل: (وكذلك في خلق الأرواح قبل الأجساد قولان معروفان)(). فقد كان شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى من أبرز القائلين بسبق الجسم على النفس. بينما كان قبله الإمام ابن حزم الظاهري الأندلسي من القائلين بسبق النفس على البدن؛ انسجاما مع ظاهريته. وذلك ما نقله ابن القيم مفصلا في كتاب الروح قال: (وقالت طائفة أخرى منهم ابن حزم مستقرها حيث كانت قبل خلق أجسادها. وقال: والذي نقول به في مستقر الأرواح، هو ما قاله الله عز وجل ونبيهe، لا نتعداه. فهو البرهان الواضح، وهو أن الله عز وجل قال: "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين". وقال تعالى: "ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم"(الأعراف:11). فصح أن الله تعالى خلق الأرواح جملة، وكذلك أخبر أن   "الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف"() وأخذ الله عهدها وشهادتها له بالربوبية، وهي مخلوقة مصورة عاقلة، قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم، وقبل أن يدخلها في الأجساد. والأجساد يومئذ تراب وماء! ثم أقرها حيث شاء. وهو البرزخ، الذي ترجع إليه عند الموت. ثم لا يزال يبعث منها الجملة بعد الجملة، فينفخها في الأجساد المتولدة من المني. إلى أن قال: فصح أن الأرواح أجساد حاملة لأغراضها من التعارف والتناكر، وأنها عارفة مميزة، فيبلوهم الله في الدنيا كما يشاء، ثم يتوفاها، فيرجع إلى البرزخ الذي رآها فيه رسول اللهe ليلةَ أسري به عند سماء الدنيا، أرواح أهل السعادة عن يمين آدم، وأرواح أهل الشقاوة عن يساره. وذلك عند منقطع العناصر، ويعجل أرواح الأنبياء والشهداء إلى الجنة. قال: وقد ذكر محمد بن نصر المروزي عن إسحاق بن راهويه أنه ذكر هذا الذي قلنا بعينه، قال: وعلى هذا أجمع أهل العلم.   قال ابن حزم: وهو قول جميع أهل الإسلام)().

إلا أن ابن القيم رحمه الله رد ذلك كله، وذهب إلى ما ذهب إليه أستاذه شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال في كتابه القيم "أحكام أهل الذمة": (والذين قالوا إن الأرواح خلقت قبل الأجساد ليس معهم نص من كتاب الله ولا سنة رسوله. وغاية ما معهم قوله: "وإذ أخذ ربك من بني آدم" الآية. وقد عُلِم أنها لا تدل على ذلك. وأما الأحاديث التي فيها أنه أخرجهم مثل الذر؛ فهذا هل هو أشباحهم أو أمثالهم؟ فيه قولان. وليس فيها صريح بأنها أرواحهم. والذي دل عليه القرآن والسنة والاعتبار أن الأرواح إنما خلقت مع الأجساد، أو بعدها. فإن الله سبحانه خلق جسد آدم قبل روحه، فلما سواه وأكمل خلقه نفخ فيه من روحه، فكان تعلق الروح به بعد خلق جسده.    وكذلك سنته سبحانه في خلق أولاده، كما دل عليه حديث عبد الله بن مسعود المتفق على صحته. قال: "سمعت رسول الله يقول: إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم ينفخ فيه الروح"()

إلا أن المتحصل من ذلك كله، والذي عليه العمل في ورقتنا هذه؛ أنه لا خلاف بين المذهبين في أن النفس أو الروح مخلوقة، سواء كان ذلك قبل البدن أو بعده أو معه. وأنه لا يقول بقدمها إلا أصحاب المقالات الإلحادية. وأنها جوهر كينونة الإنسان، وأنها مفارقة للبدن. وأنها محل الوعي الإنساني. فالوجود البرزخي إذن؛ إنما هو وجود نفساني؛ لأن الجسم يأكله التراب، لكنه وجود عاقل واع. قال عز وجل: (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)(المؤمنون:99-100)، وفي الحديث: عن أنس بن مالك (أن رسول اللهe ترك قتلى بدر ثلاثا. ثم أتاهم فقام عليهم فناداهم فقال "يا أبا جهل بن هشام! يا أمية بن خلف! يا عتبة بن ربيعة! يا شيبة بن ربيعة! أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا" فسمع عمر قول النبي e، فقال: يا رسول الله! كيف يسمعون وأنى يجيبون وقد جيفوا؟  قال "والذي نفسي بيده! ما أنتم بأسمع لما أقول منهم. ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا" ثم أمر بهم فسحبوا. فألقوا في قليب بدر)( وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما؛ أنَّ رسولَ اللهe مرّ بقبرين فقال: (إنَّهُما يُعَذَّبانِ ومَا يُعَذَّبانِ في كَبير" قال: وفي رواية البخاري: "بلى إنَّه كَبيرٌ، أمَّا أحَدُهُما فَكانَ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ، وأما الآخَرُ فَكانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِه)(.

ومن النصوص الدالة على السيماء الخاصة بالنفس الإنسانية، بمعزل عن البدن، هذا الحديث العجيب، الذي يصور حركة النفس بعد مفارقة الجسد بالموت مباشرة. قالe: (إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحا قال ‌:‌ اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب! اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان! فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال‌:‌ من هذا ‌?‌ فيقول ‌:‌ فلان فيقال ‌:‌ مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب! ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان! فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله تبارك و تعالى. فإذا كان الرجل السوء، قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث! اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق! وآخر من شكله أزواج! فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال‌:‌ من هذا‌?‌ فيقال:‌ فلان، فيقال‌:‌ لا مرحبا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث! ارجعي ذميمة، فإنها لا تفتح لك أبواب السماء! فترسل من السماء، ثم تصير إلى القبر; فيجلس الرجل الصالح في قبره غير فزع، ولا مشعوف، ثم يقال له‌:‌ فيم كنت?‌ فيقول:‌ كنت في الإسلام، فيقال له‌:‌ ما هذا الرجل‌?‌ فيقول‌:‌ محمد رسول اللهe جاءنا بالبينات من عند الله، فصدقناه، فيقال له‌:‌ هل رأيت الله‌?‌ فيقول:‌ ما ينبغي لأحد أن يرى الله، فيفرج له فرجة قِبَلَ النار، فينظر إليها، يحطم بعضها بعضا، فيقال له‌:‌ انظر إلى ما وقاك الله تعالى! ثم يفرج له فرجة قِبَلَ الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له‌:‌ هذا مقعدك! ويقال له‌:‌ على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله; و يجلس الرجل السوء في قبره فزعا مشعوفا! فيقال له‌:‌ فيم كنت‌?‌ فيقول‌:‌ لا أدري! فيقال له‌:‌ ما هذا الرجل‌?‌ فيقول‌:‌ سمعت الناس يقولون قولا فقلته‌!‌ فيفرج له فرجة قِبَلَ الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له‌:‌ انظر إلى ما صرف الله عنك! ثم يفرج له فرجة إلى النار، فينظر إليها يحطم بعضها بعضا! فيقال‌:‌ هذا مقعدك! على الشك كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله!)()

فالوجود البرزخي إذن هو وجود نفساني واع، وإنما البدن في الإنسان لباس طيني فان!

ومن هنا فإنما خاطب الخالق جل وعلا الإنسان باعتباره (نفسا) على سبيل الاشتراك. أي بلا تمييز جنسي في الأصل. سواء كان الخطاب متعلقا بالتكوين أو كان متعلقا بالتكليف. قال تعالى مثلا:

(وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(يوسف:53)

. وقال سبحانه:

(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي)(الفجر:27-30)

وقال أيضا:

(وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ)(البقرة:48)

وقال أيضا:

(لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا)(البقرة: 233)

وقال سبحانه:

(وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)(البقرة:281)

وقال أيضا:

(فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)(آل عمرن:25)،

وقال أيضا:

(كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة)(آل عمران: 185)

وقال أيضا:

(يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)(النحل:111)

وقال أيضا:

(الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)(غافر:17)

وقال أيضا:

(وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ. لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)(ق:21-22)

وقال أيضا:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)(الحشر:18)

وقال أيضا:

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)(الشمس:7-10).

فهذه النصوص الكثيرة، كلها دالة على أن النفس الإنسانية جوهر، وأنها هي محل الخطاب الإلهي. ومن هنا فالنفس هذه هي التي عُنِيَ الإسلام بتزيينها وتجميلها. ولذلك فرض الستر على المرأة؛ حتى لا تطغى سيماء الصورة على سيماء النفس، التي هي السيمياء الحقيقية، والتي هي أساس التميز في الإسلام. فالسيمياء الجسمانية لدى المرأة ذات خصوص جمالي يؤدي وظيفة تناسلية بالقصد الأول ووظيفة شهوانية بالقصد الثاني. فالقصد الأول قصد أصيل، فهو يخدم إحدى الضروريات الخمس في مقاصد الشريعة، على ما بينه علماء المقاصد، ألا وهي (ضرورة النسل)

( (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء)،

وكما مر أيضا من سورة الأعراف:

(وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)

. ذلك هو الأصل الوجودي لجمال المرأة، والقصد الأصلي منه. نعم له قصد تبعي أو تابع وهو التزيين الشهواني المباح. وهو الوارد في قوله تعالى:

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)(آل عمران:14)

. فهذا التزيين طبيعي، أي بمعنى فطري. فالرجل مجبول على الانجذاب إلى الجمال الأنثوي، لكن لخدمة القصد الأصيل من النسل. وليس ذلك مقصودا لذاته؛ ولذلك جعل الله عقب الآية ما يلي:

(قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)(آل عمران:15)

ومشكلة الإنسان اليوم - ذُكْرانا وإناثا - أنه قلب الموازين! فجعل المقصود التبعي أصليا، والأصلي تبعيا؛ فانقلبت بذلك حقائق الحياة عنده، من الإنسانية الراقية إلى البَهَمِيَّة الساقطة، ومن المتعة الروحية إلى اللذة الشهوانية!

ولذلك كان اللباس الإسلامي بالنسبة للرجال والنساء معا؛ قائما على خدمة هذه المقاصد الكلية العظيمة في الدين، وعلى احترام الوجود الإنساني، وعدم الإسفاف به، أو السقوط به إلى دركات العيش الحيواني الصرف! فسِتْرُ الصورة الجسمانية للأنثى - لما لها من خصوص تكويني - كان ليخدم قصده الأصلي ولا يتعداه إلى غيره إلا تبعا، في حدود جمالية المباح.. ومن هنا قال الرسولe: (إِنّ اللّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَىَ صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ. وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَىَ قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ)(e في زاهر بن حرام الأشجعي رضي الله عنه - وقد كان رسول اللهe يحبه، وكان رجلا بدويا ذميم الصورة! – إذ قال له في قصة طريفة: (ولكن أنت عند الله غال!)([17]). نعم! لقد كان عند الله كذلك؛ لما كان له من جمال النفس الذي غطى ذمامة الصورة، وأفاض عليها أنوار القبول، في الأرض وفي السماء!

إن لباس المرأة في الإسلام ليس أحكاما شكلية فحسب، على ما يعتقده بعضهم. كلا! إن اللباس مضمون جوهري يضرب في عمق الغيب! إنه بعد وجودي! يرتبط بالطبيعة الوجودية للمرأة من حيث هي إنسان.

لقد انطلق الخطاب القرآني للمرأة من مبدأ الخطاب الكلي للإنسان، منذ كان خطاب الوجود الأول للنفس الإنسانية! وذلك قول الله تعالى: (

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)(الأعراف:172)

فكان هذا التكليف الكوني العجيب:

(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)(الأحزاب:72)

. لقد جاء هذا التكليف في سياق خطاب كوني، وُجِّهَ للسماوات والأرض وما بينهما، فتَصَدَّر الإنسان بما فطر عليه من مؤهلات؛ ليكون إمام العابدين لله الواحد القهار، وليكون سيد السائرين إليه تعالى في الأرض وفي السماء. وليس بعيدا عن هذا القصد أمر الله تعالى ملائكته بالسجود لآدم، أول الخليقة من النفس الإنسانية. وهو يحمل في صلبه ذريته ذكرانا وإناثا.

ومن هنا خاطب المولى جل جلاله المرأة في القرآن باعتبارها (عاملا)، على سبيل التسوية المطلقة بين الرجل والمرأة في المسؤولية الوجودية من حمل الأمانة الكبرى، كما مر في قوله تعالى:

(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْض)(آل عمران:195).

وأما ما خالفت المرأة الرجل فيه من أحكام؛ فذلك راجع إلى الطبيعة التكاملية بين الذكورة والأنوثة، وليس إلى تنقيص خلقي تكويني في طبيعتها. فقد ينقص الرجل في شيء لتكمله المرأة، وقد تنقص المرأة في شيء ليكمله الرجل؛ سعيا لتكوين الحاجة الفطرية الطبيعية بينهما ورغبة في دوام الالتقاء وضمان استمرار الحياة([18]).

إن تشريع اللباس الإسلامي إنما كان – مذ كان - في هذا السياق الكوني العظيم. فليس فيه إذن شكليات وهامشيات. إنه جوهر من جواهر الحياة، وعمق من أعماق الوجود الإنساني في الخطاب القرآني! إنه سيماء لحمل أمانة الاستخلاف في الأرض. قال عز وجل: (

هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)(هود:61)

. ومن ثَمَّ كان ذلك أول قصد إبليس بالتدمير والتخريب في المجتمع الإنساني الأول! فاقرأ وتدبر هذه الآية العجيبة! قال تعالى:

(يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا. وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ. إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ)(الأعراف:26).

ذلك سر عجيب من أسرار اللباس في القرآن. فتدبر!([19])

والمرأة إذ تكشف عن أطرافها، ومفاتنها الجسمانية بتسيب شهواني؛ فإنما معناه أنها تبرز التمثال على حساب الطبيعة، وتمجد الفخار على حساب الروح! وتفر من تزيين حقيقة النفس إلى تزيين غلافها الخارجي فقط! فتخرج عن طبيعة الوجود البشري الذي قام على المفهوم النفسي في القرآن كما تبين، وتتنصل عن ماهيتها الوجودية ووظيفتها الكونية.

 وهو قولهe:

(استوصوا بالنساء خيرا؛ فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا)(متفق عليه)

. وليس الاعوجاج في هذا السياق وصمة ذم كما يظنه بعض العوام، بل هو بيان الطبع العاطفي الجارف للمرأة، وما يعتريه من تقلب وميلان، كما اقتضته حكمة الله في خلق الأنثى؛ لتكون زوجة وأُمّاً تفيض بالحب والحنان. ولذلك جاء في سياق (الاستيصاء بالخير)، ولا يستوصى إلا بمحبوب، فتأمل!

 


 الدكتورة نوال السعداوي


 مجموع الفتاوى: 14/ 296.


  رواه الترمذي والحاكم،‌ وصححه الألباني انظر حديث رقم‌:‌ 5208 في صحيح الجامع‌.


 رواه أبو نعيم في الحلية‌ عن ميسرة الفجر، ‌ورواه ‌ابن سعد‌‌ عن أبي الجدعاء، ‌وابن ‌حبان‌‌ عن ابن عباس‌.‌ وصححه الألباني.‌ انظر حديث رقم‌:‌ 4581 في صحيح الجامع‌.


 رواه الطبراني‌ عن عبادة بن الصامت مرفوعا‌. وصححه الألباني.‌ انظر حديث رقم‌:‌ 1985 في صحيح الجامع‌.


 شفاء العليل لابن القيم:1/294.


 رواه البخاري عن عائشة ورواه مسلم عن أبي هريرة.


 الروح لابن القيم:91-92.


 هذا مختصر حديث متفق عليه


 أحكام أهل الذمة: 2/1058-1059.


 متفق عليه


 متفق عليه


 رواه ابن ماجه‌‌. ‌وصححه الألباني.‌ انظر حديث رقم‌:‌ 1968 في صحيح الجامع‌.‌


 ن. الموافقات للشاطبي: 2/ 9 و17.


 رواه مسلم.


 عن أنس أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهراً، وكان يهدي إلى النبيe الهدية فيجهزه رسول اللهe إذا أراد أن يخرج، فقال رسول اللهe: "إن زاهراً باديتنا ونحن حاضروه". وكان النبيe يحبه، وكان ذميماً، فأتى النبيe يوماً وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره فقال: أرسلني، من هذا؟ فالتفت فعرف النبيe فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبيe حين عرفه، وجعل النبيe يقول: "من يشتري العبد؟". فقال: يا رسول الله إذاً تجدني كاسداً! فقال النبيe: "لكنك عند الله لست بكاسد". أو قال: "لكن عند الله أنت غال".

قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح.‏ مجمع الزوائد: 9/616: كتاب البيوع، رقم الحديث: 15979.


 وعلى هذا الوزان يفهم قول النبيe للنساء: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن) متفق عليه. فليس المراد قطعا الاستهانة بجنس الأنثى كلا! فحاشا رسول اللهe أن يصدر منه شيء من ذلك، والأنثى خلق الله السوي، وصنعه المتقن. وإنما المقصود هو النقص التكاملي، كما بيناه أعلاه، وهو هنا في خصوص هذا الحديث نقص يقابله فيض عاطفي نبيل نقص فيه الرجل، وكذا تفرغ بيولوجي لحمل سر الخلق الإلهي العظيم، وضمان استمرار الحياة! فكانت لها بذلك إجازات في الحيض وفي النفاس؛ لتأدية ذلك الدور الأمومي الذي فاقت به زوجها أضعافا ثلاثة! كما هو واضح في حق الآباء على الأبناء. فتأمل!



السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ المرأة والنفس والواحدة