القاعدة التاسعة : حقيقة التأويل

عمر سليمان الاشقر


القاعدة التاسعة : حقيقة التأويل (1) :


التأويل الذي فتن به الخلق ، وضل به الآلاف من هذه الأمة يطلق في الاصطلاح مشتركاً بين ثلاثة معان :

 
1- يطلق على ما تؤول إليه حقيقة الأمر في ثاني حال ، وهذا هو معناه في القرآن نحو قوله تعالى : ( ذلك خيرٌ وأحسن تأويلاً ) [ النساء : 59 ] ، ( ولمَّا يأتهم تأويله ) [يونس : 39] ، ( يوم يأتي تأويله يقول الَّذين نسوه من قبل ) [ الأعراف : 53 ] ؛ أي ما تؤول إليه حقيقة الأمر في ثاني حال .


2- ويطلق التأويل بمعنى التفسير ، وهذا قول معروف كقول ابن جرير : القول في تأويل قوله تعالى كذا ، أي تفسيره .


3- أما في اصطلاح الأصوليين فالتأويل : هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لدليل .
وصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه له عند علماء الأصول ثلاث حالات :


أ- إما أن يصرفه عن ظاهره المتبادر منه لدليل صحيح من كتاب أو سنة ، وهذا النوع من التأويل صحيح مقبول لا نزاع فيه . ومثال هذا النوع ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الجار أحق بصقبه ) (2) فظاهر هذا الحديث ثبوت الشفعة للجار .


وحمل هذا الحديث على الشريك المقاسم حمل للفظ على محتمل مرجوح غير ظاهر متبادر ، إلا أن حديث جابر الصحيح ( فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة ) (3) دل على أن المراد بالجار الذي هو أحق بصقبه خصوص الشريك المقاسم . فهذا النوع من صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لدليل واضح من كتاب وسنة يجب الرجوع إليه ، وهذا تأويل يسمى تأويلاً صحيحاً وتأويلاً قريباً .


ب- الثانية هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لشيء يعتقده المجتهد دليلاً ، وهو في نفس الأمر ليس دليلاً ، فهذا يسمى تأويلاً بعيداً ، ويقال له : فاسد . ومثل له بتأويل أبي حنيفة لفظ : ( امرأة ) في قوله صلى الله عليه وسلم : ( أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ) (4) قالوا : حمل هذا على خصوص المكاتبة تأويل بعيد ، لأنه صرف للفظ عن ظاهره المتبادر منه ، لأن ( أي ) في قوله ( أي امرأة ) صيغة عموم .
وأكدت صيغة العموم بما المزيدة للتوكيد ، فحمل هذا على صورة نادرة هي المكاتبة حمل للفظ على غير ظاهره من غير دليل .


ج- أما حمل اللفظ على غير ظاهره لا لدليل : فهذا لا يسمى تأويلاً في الاصطلاح بل يسمى لعباً ، لأنه تلاعب بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم . ومن هذا تفسير غلاة الروافض قوله تعالى : ( إنَّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرةً ) [ البقرة : 67 ] قالوا : عائشة .


ومن هذا النوع صرف آيات الصفات عن ظواهرها إلى محتملات ما أنزل الله بها من سلطان ، كقولهم : ( استوى ) بمعنى : استولى . فهذا لا يدخل في اسم التأويل ، لأنه لا دليل عليه ألبتة . وإنما يسمى في اصطلاح أهل الأصول : لعباً ، لأنه تلاعب بكتاب الله – جلّ وعلا – من غير دليل ولا مستند . فهذا النوع لا يجوز ؛ لأنه تهجّم على كلام رب العالمين ، والقاعدة المعروفة عند علماء السلف أنه لا يجوز صرف شيء من كتاب الله ولا سنة رسوله عن ظاهره المتبادر منه ، إلا بدليل يجب الرجوع إليه .

---------------------------

(1) ألف أ . د . عمر الأشقر في هذا الموضوع رسالة بعنوان : التأويل خطورته وآثاره .
(2) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة . ( منتقى الأخبار : ص : 492 . ورقمه : 3177 ) .
(3) رواه البخاري وأبو داود والترمذي وأحمد . ( منتقى الأخبار : ص : 492 ) .
(4) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد ( منتقى الأخبار : 539 ، ورقمه : 3452 ) .

مقالات مرتبطة بـ القاعدة التاسعة : حقيقة التأويل

  • التأويل فرع عن التشبيه

    أبو رملة محمد المنصور

    التأويل فرع عن التشبيه وهنا مسألة يجب التنبُّه لها وهي أن الذي يلجأ إلى التأويل في صفات الله تعالى لا يفعل ذلك

    26/06/2010 2412
  • س/ ما معنى التأويل وما موقف السلف منه ؟

    الشيخ /هاني حلمي

      س/ ما معنى التأويل وما موقف السلف منه ؟ التأويل هو: صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يتناسب مع رأي

    06/02/2014 2630
  • دعوى باطلة

    د. عمر الأشقر

    أجهد الذين خالفوا منهج الكتاب والسنة الذي فقهه السلف الصالح في أسماء الله وصفاته أنفسهم في ليّ أعناق النصوص ، ليصرفوها عن ظاهرها بشتى أنواع التمحلات ، وسموا عمل

    08/01/2019 84