العمران القرآني

العمران القرآني

الشيخ / فريد الأنصاري
المقال مترجم الى : English

و"العمران القرآني" له قضايا رئيسية في بناء النفس والمجتمع، إليها تستند هندسته، وعليها يقوم بناؤه. فهي التي كانت تمثل اللبنات الكبرى في بناء البعثة المحمدية وعمارتها، عليها كانت تدور أولوياتها، التي نحسب أنها ثابتة. لا تتغير بمصر ولا تتبدل بعصر. وهي: التوحيد بما هو إخلاص، والعبادة بما هي شعائر، والمجتمع بما هو علاقات ومؤسسات، ثم علم الدين بما هو إطار للتجديد والاستمرار. وغاية ذلك كله هو إقامة العمران الوجداني والمادي؛ لعبادة الله الواحد القهار. وبيان تلك القضايا – على الإجمال – هو كما يلي:

1- القضية الأولى: التوحيد. وذلك بالدعوة إلى عقيدة السلف الصالح، تعليما وتزكيةً، كما قررها القرآن، وكما كانت في الصدر الأول من الإسلام، عند الصحابة والتابعين. لكن ليس بالمنهج الجدلي الكلامي، الذي آلت إليه عند المتأخرين الجدليين. كلا! فذلك هو أيضا ابتداع في المنهج. وإنما بالمنهج القرآني التربوي، الذي يقوم على التعرف على الله والتعريف به؛ تربيةً وتزكيةً؛ لتحصيل الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة؛ عبادةً لله الواحد القهار. وذلك من خلال استغلال المقاصد التعبدية، والأهداف التربوية للأسماء الحسنى والصفات العلى. وليس بالجمود على استظهار الحدود والتعريفات، لمفاهيم الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، على وزان فصول المناطقة ورسومهم! فذلك منهج عقيم لم يزد الأمة إلا خبالا! وإنما باستثمار ذلك عقيدةً تربوية، تملأ القلب علما وورعا، وتنتج خُلُقاً قرآنيا في النفس وفي المجتمع([1]). والبناء القرآني للتوحيد هو الكفيل بتكوين الشخصية المسلمة، الجامعة لصفتي (القوة والأمانة)، اللتين بهما يكون الإنسان المسلم – كما سبق بيانه - فاعلا في التاريخ أو لا يكون! إذ أن (التوحيد) من حيث هو منهج القرآن في التعرف إلى الله والتعريف به، الذي هو جوهر المنهج السلفي الأصيل؛ يُخَرِّج من العامة: أجيالَ الربانيين، ومن القادة: الفقهاءَ العاملين. واجتماع العامة والخاصة على هذه (الثنائية التربوية) العظيمة؛ هو خير ما يقوم عليه النسيج الإسلامي السليم. ومن لم يراع ذلك كان عمله مخروما من إحدى الجهتين.  وغراس "التوحيد" – بالمفهوم الذي وصفنا من التخلق بأخلاق القرآن - هو الكفيل بالجمع بينهما في التربية القرآنية. ولنا ههنا كلمة ذهبية جمعت بينهما، رويت بأسانيد صحيحة عن عدد من الصحابة، منهم الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، في أثر صحيح مليح، قال رضي الله عنه: (المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة!)([2]).

        2- القضية الثانية: العبادة. وأهم رموزها فريضة الصلاة: فالصلاة هي عماد الدين، وهي العهد الذي بين الرسول وبين المسلمين!  لكن تجديد الصلاة إنما معناه بعث مضمونها في الأمة. وإحياء دورها العظيم الواصل بالله، الناهي عن الفحشاء والمنكر، والحافظ لحدود الله. وإحياء عمارتها ومركزيتها، من المساجد والجوامع. وإظهار ما تبثه من مقاصد في المجتمع. ومهم جدا أن تعلم أن أول عمل في الإسلام – بعد الإيمان – أُمِرَ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هو الصلاة! وأول عمارة بناها النبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام هي المسجد! فتدبر هذا ثم أبصر! واقرأ مقاصد الحديث العجيب، إذ قال صلى الله عليه وسلم: (أتاني جبريل في أول ما أوحي إلي، فعلمني الوضوء والصلاة!)().

الصلاة مفتاح صلاح المجتمع، وأول أعمال التجديد فيه. وبقدر إقبال الناس عليها يكون تقويم مراحل البعثة، ومعرفة ما قطعته من أشواط. نعم؛ الصلاة من حيث هي عبادة، لا من حيث هي عادة! يمارسها المسلم كما يمارس عادة شرب القهوة، أو قراءة جريدة الصباح والمساء! بل الصلاة بما هي رباط وجداني! وحركة فردية وجماعية تصل الناس بالله عقيدةً وشريعةً، وتصنع عمارتهم الإيمانية في طريق بعثة التجديد([4]). ولك أن تتدبر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات‌?‌ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة.. فذلكم الرباط! فذلكم الرباط! فذلكم الرباط!)([5]). وحديثه - صلى الله عليه وسلم - الذي جعل الإسلام بيتا (وعموده الصلاة!)([6]). فمن ههنا البدايات والمنطلقات؛ لعمران الوجدان وبناء الإنسان. لمن يدرك حقا: كيف تصميم هندسة القرآن، وكيف تقوم أركان بعثة التجديد في المجتمع.

3- القضية الثالثة: المجتمع. ونواته الأولى إنما هي "الأسرة" بالمفهوم الإسلامي. فالأسرة مفتاح فريد لكل تجديد. الأسرة  هي أساس المجتمع، والخلية الأولى من نسيجه الكبير. بتماسكها يتماسك المجتمع كله، وبتمزقها يتمزق كله! ثم ببقائها سليمةً معافاةً يَسْلَمُ التدين ويستمر، وبفسادها أو خرابها يفسد ويخرب! ألم تر أن الله عز وجل قد أعطى للأسرة أولوية الأولويات في التشريع القرآني؟ بينما أحال كثيرا من بيان تفاصيل التشريعات الأخرى – بما في ذلك أركان الإسلام وفرائضه الكبرى! - على بيان السنة، أو استنباط الاجتهاد! وإنما اكتفى في القرآن بتشريع مبادئها وأصولها. بينما تولى - جل وعلا - بنفسه سبحانه تفصيل قضايا الأسرة في القرآن العظيم، وبَيَّنَ فيه أحكامها الكلية والجزئية؛ إلى درجة من التفصيل لم تكد تبقي للسنة من ذلك إلا قليلا. ولم تكد تبقي للاجتهاد بعدهما شيئا!

إن هذا الصنيع الرباني في حد ذاته خطاب منهجي؛ لمن فكر في تجديد العمران.

ولقد شهد التاريخ أن الدين في بعض البلاد الإسلامية، التي ابتليت بسيطرة الإلحاد على المستوى الرسمي للدولة؛ لم تحفظه لا هيأة كبار العلماء، ولا وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ولا الجمعيات والجماعات الإسلامية، القديمة والحديثة. وإنما حفظه الله بالأسرة! هذه الخلية الدعوية العجيبة، التي بقيت على فطرتها الدينية، وأساسها الإسلامي، كما كان الشأن في الجمهوريات الإسلامية، التي بقيت ردحا من الزمن ليس باليسير، تحت الحصار الحديدي لدولة الإلحاد الكبرى: (الاتحاد السوفياتي) البائد! وكذا صنوه (الاتحاد اليوغوزلافي). لقد انبعثت الحياة الإسلامية في تلك الجمهوريات من جديد، في غياب المؤسسات الدينية الممنوعة، وغياب كل أشكال التدين السني والبدعي سواء! ولم يبق لديهم من الإسلام إلا نظام حياتهم الخاص بالأسرة، وثقافتها الدينية المتوارثة. وكان ذلك وحده كفيلا بحفظ جمرة الإسلام؛ متوقدةً عدة أجيال، تحت رماد الكفر والإلحاد! لذلك كان التشريع القرآني يحصن أحكام الزواج والطلاق والمواريث، وما تفرع عنها جميعا؛ بترسانة عظيمة من الحدود، جعلها الله من حماه ومن محارمه. وإنما تقوم بعثة التجديد بإعادة بناء كل المفاهيم الإسلامية، المتعلقة بالأسرة في النفس وفي المجتمع. وإغفال تجديد هذه المعاني في الأمة لن ينتج عنه بعثة شاملة كاملة.  وللأسرة في الإسلام قيمتان أساسيتان، لابد من الانتباه إليهما عند التجديد.

- الأولى: قيمة العِرض. وذلك على ما قرره علماء المقاصد في أصول الضروريات الخمس. وإنما العِرض قيمة خلقية، ترجع إلى أخلاق إسلامية كثيرة، من أهمها: الحياء والغيرة. فأما الحياء ففيه من النصوص ما يكفي؛ لجعله كلية من كليات الأخلاق في الإسلام. ومن أجمع ما ورد في هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الحياء والإيمان قُرِنَا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر!)() ومثله قوله عليه الصلاة والسلام: (إنَّ لكل دينٍ خُلُقاً، وإنَّ خُلُقَ الإسلامِ الحياءُ!)() وأما الغيرة فيكفي فيها حديثه صلى الله عليه وسلم أيضا: (إن الله تعالى يَغَارُ، وإن المؤمن يغار. وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه)([9]). وشرع لحفظ ذلك عددا من التشريعات، مما يتعلق بأركان الزواج وعقوده وآدابه، وكذا بعض الحدود الراجعة إلى صونه من كل لَوْثٍ، كحد الزنى وحد القذف. والعبرة الآن ليست طبعا بالحدود، وإنما بالمعنى الذي من أجله شرعت تلك الحدود، وذلك هو مجال العمل الدعوي.

- الثانية: قيمة الرَّحِم. بمعناه الاصطلاحي الشرعي. و"الرَّحِمُ" مفهوم كلي في الدين، يقوم عليه عدد كبير من الأحكام الشرعية، التي تنظم الحياة الزوجية بما يضمن استمرار هويتها الإسلامية، وانتسابها الديني في ذريتها إلى يوم القيامة! فالرحم ليست هي ذلك الغشاء البطني الداخلي الذي يحتضن الجنين في بطن أمه فحسب. ذلك معنى لغوي صرف. وإنما المقصود بالرحم في السياق التشريعي هو: مجموع العلاقات الشرعية التعبدية، التي تنشأ عن الزواج الشرعي، وعما يترتب عنه من نسل. وهي علاقات الأبوة، والأمومة، والبنوة، والجدودة، والعمومة، والخؤولة... إلخ. وهذه علاقات تعبدية، بمعنى أنها راجعة إلى اعتبار الشرع لها بالدرجة الأولى، لا إلى مجرد الاعتبارات الطبيعية والبيولوجية! فأنت ترى أن ابن الزنى هو ابن بيولوجي حقيقي، لكنه مع ذلك لا يلحق بوالده شرعا. وإنما يلحق بأمه ضرورةً. فتبين أن العلاقات الرحمية إنما تعتبر باعتبار الشرع. وهذا هو المعنى التعبدي لمفهوم الرحم. ومن هنا كانت شعيرةً من شعائر الإسلام، يُعبد الله بها إنتاجا شرعيا أولا، ثم بِرّاً وتوقيراً، ثم خدمةً وصلةً. لأن في تأسيسها وإنتاجها تأسيسا للدين، وإنتاجا لمفاهيمه في النفس وفي المجتمع. وفي صلتها صلةً لآصرته الإيمانية في الأجيال.

ومن هنا فقد قرنها الحق سبحانه وتعالى بأصل التوحيد، الذي هو أصل الأصول في الإسلام؛ لِمَا لها من أثر بالغ في حفظ الدين واستمراره في المجتمع. وذلك في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً. وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ. إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)(النساء:1). فتقوى الرحم راجعة إلى حفظ حقوقها الشرعية، وصيانة أحكامها التكليفية المنوطة بها تعبدا لله رب العالمين. فهي إذن شعيرة يعبد الله بها أصالةً. باستمرارها يستمر الدين وبانقطاعها ينقطع! ولذلك قال سبحانه: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(آل عمران:34). وفي الحديث القدسي: (قال الله تعالى : "أنا خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته! ومن بتَّها بتته!)() وقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه. كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول: "فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ. ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ"."الروم:30")([11]).

وأحسب أن قوله تعالى (النَّبِيءُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً)(الأحزاب:6) يتجاوز في مقاصده القرآنية الكبرى قصد تشريع أحكام المواريث، إلى مقاصد الأولويات المعنوية التربوية والروحية، التي تقضي بإدماج النَّسب - من أهل الرحم الواحد - بعضه في بعض، ورص علاقاته التعبدية بعضها فوق بعض؛ تمتينا لحصن الأسرة الديني، وحفظا لسياجها الروحي العظيم.

وعليه فإن استمرار "الأسرة" بمفهومها الإسلامي؛ هو الذي يضمن بقاء ثقافة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" على المستوى الشعبي . ذلك أن التحصينات الأسرية تربي ذوق الجيل؛ بما ينكر كل ما خالف "معروفه"، وينتصر لكل ما وافقه. وبذلك كله تبين لماذا جعلناها أساسا من أسس العمل الدعوي في بعثة التجديد. خاصة في هذا العصر الذي صارت مفاهيمها الشرعية عرضة للاجتثاث والتدمير! سواء على المستوى التشريعي القانوي، أو على المستوى الأخلاقي التربوي.

4- القضية الرابعة: علم الدين.  من المعلوم أن "ترجمة" الإمام البخاري، مشهورة جدا في كتاب العلم من صحيحه؛ لباب: (العلم قبل القول والعمل؛ لقول الله تعالى: "فاعلم أنه لا إله إلا الله"(محمد:19). فبدأ بالعلم)(). والعلم باعتباره قضية من قضايا "بعثة التجديد" ركن من أعظم أركان البعث والإحياء؛ غايةً ووسيلةً، فبالعلم كانت هذه الأمة، وبه تكون مرة أخرى بحول الله.

والطريق الفعلي لذلك يكون ببناء أمرين اثنين في العلم، هما: التأهيل والتأصيل. فالتأهيل: راجع إلى مشروع تكوين نُخَبٍ من الشباب في العلوم الشرعية، ممن ظهرت فيهم مخايل العبقرية في طلب العلم؛ حتى يتحققوا بمفهوم العالِمية بكل معانيها التخصصية والتربوية، ويكونوا بالفعل أهلا للاتصاف بلقب "عَالِم" عن جدارة واستحقاق. على مستوى الملَكَةِ الفقهية، والربانية الإيمانية، والقيادة التربوية الاجتماعية. وهي أركان العالِمية الثلاثة، كما ما بيناه مفصلا بأدلته في رسالة "مفهوم العالِمية".

وأما التأصيل: فهو راجع إلى مشروع تحقيق قضايا العلوم الشرعية عامة، وخاصة الأحكام الفقهية منها؛ بربطها بأدلتها، وبناء مناهج استدلالها، ومقارنة مذاهبها، وتوجيه خلافها العالي والنازل. والقصد من ذلك كله إنما هو إحياء الثقافة الفقهية الأصيلة، وتجديد الملَكَةِ الاجتهادية في الأمة، وإعادة بث أدب الخلاف؛ بما يجعل الأمة تستعيد قدرتها على احتضان الآراء المتعددة في العلم، ما دامت تستجيب للأدلة الشرعية المعتبرة، من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما انبنى عليهما من أصول الاستدلال وقواعده.

ذلك أن غياب الثقافة الفقهية تجديدا واجتهادا، قد أدى بالأمة في كثير من الأحيان إلى الجمود على الظواهر من النصوص، أو إلى التجرد من الأدلة كلية. وكلا الأمرين خروج عن حد الاعتدال في العلم. وكلاهما أيضا مؤد إلى الجمود والتقليد. وقد تبين باستقراء النصوص الشرعية، وملاحظة تجارب التاريخ الإصلاحي للمجتمع الإسلامي القديم: أنه لا تجديد لحال الأمة إلا بتجديد فقهها! ولا تجديد للفقه إلا بتجديد مناهجه. وهو مقصودنا بالتأصيل.([13])

- في تجديد المناهج العلمية:

نحن في حاجة إلى تجديد قضايا العلم، نعم؛ ولكننا في حاجة أشد إلى تجديد مناهجه.  وإنما قضاياه تَبَعٌ لمناهجه. فإذا تجددت هذه؛ تجددت تلك بالضرورة. والعكس ليس بصحيح!

وتجديد المناهج هو الكفيل بتأطير بعثة التجديد، وإسنادها على المستوى العلمي، الذي هو الوعاء الجامع لحركتها تأصيلا وتوجيها. ومناط التجديد المنهجي يكون بإحياء الصناعة الفقهية المقاصدية، بضوابطها الشرعية؛ بعثا وتجديدا.

إن مشكلة العلم والعلماء اليوم إنما ترجع إلى ضمور هذه الصناعة وندرتها.

والمقصود بـ(الفقه) هنا: المعنى المصدري للفظ، لا الاسمي، أي الفقه من حيث هو حركة عقلية، ونشاط ذهني بالقصد الأول، ينتجها العقل المسلم. فالفقه عن الله ورسوله إنما يقع بعقل العالم الرباني الحكيم – والعقل مناط الفهم والتكليف - بما كان عبدا لله خاضعا لسلطانه. فذلك الفقه هو المقصود في حديث النبي صلى الله عليه وسلم:  (نضَّر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، ثم بلغها عني. فَرُبَّ حامل فقه غير فقيه! ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه!‌)([14]) إلخ .

 والفقه المقاصدي كان أهم ملامح بعثة التجديد في القرون الهجرية الأولى، مع الإمام الزهري، وربيعة، وأبي حنيفة، ومالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد وغيرهم.

نحن اليوم في حاجة - على مستوى تجديد الفقه - إلى ثلاثة أعمال منهجية:

 - الأول: بعث الثقافة الفقهية التراثية؛ فهما وتداولا. ومن الحِكَم المأثورة عن بعض العلماء قولهم: (أول التجديد قتل الماضي بحثا!) وإنما المقصود ببعث الثقافة الفقهية: بعث المفاهيم والمصطلحات الضرورية في العلم، وتجديد تداولها. ذلك أن دروس معاني المصطلحات الفقهية وضياعها، هو مما يسبب غاية الاختلال في الفهم، والانحراف في التطبيق؛ مما قد ينتج غلوا في الدين،  وخروجا عن مقاصده الشرعية؛ فتنزل أحاكمه على غير منازلها! ذلك أن بعض أعلام الدعوة اليوم مثلا؛ لا يعرفون من نصوص القرآن والحديث إلا حكمين شرعيين اثنين: الوجوب والتحريم! فكلما ورد الأمر عندهم حملوه على أصله من الوجوب! وكذا يحملون النهي مطلقا على أصله من التحريم؛ ليس لأنهم يجهلون القاعدة المدرسية المشهورة: (الأصل في الأمر الوجوب؛ إلا أن تصرفه قرينة إلى الندب أو الإباحة. والأصل في النهي التحريم؛ إلا أن تصرفة قرينة إلى الكراهة)، كلا! فهو يحفظها، لكنه لا يفقه تنـزيلها! فهو بكل بساطة (حامل لدليل الفقه) وليس (بفقيه). وبينهما فرق كبير. وهو ما عبر عنه الحديث النبوي السابق ذكره (فرب حامل فقه ليس بفقيه!) إذ لا يعرف مثلا كيف يراعي عناصر السياق الثلاثة: من القرائن، والسوابق، واللواحق؛ ولا كيف يراعي قواعد الدلالة ويوظفها، ولا ما يُعْمِلُ من مناهج الاستدلال وما يُهْمِل، حسب طبيعة الحكم الشرعي ومجاله، من العبادات أو العادات! فحملوا الناس على العنت؛ جهلا بصناعة الفقه، ومالوا عن الوسط والاعتدال، وخرجوا عن حد الإجماع، الذي جعل الأحكام التكليفية موزعة على الخمسة المعروفة: الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم. لقد كانت هذه الأمور معلومة من الدين بالضرورة، بل كانت ثقافة شعبية يوم كان (الفقه) إمام الأمة، ومنهج تلقيها عن الله ورسولهe.

        إن الفقه صناعة! لا بد من إحيائها بالبحث في مناهجها؛ حتى تصبح في متناول (التداول الثقافي) للأمة.

ويمثل المصطلح الفقهي عنصرا من أهم عناصر الإحياء الثقافي، وقناة من أخطر قنوات التداول المفهومي، لمنهج التفكير الفقهي. ولذا فهو يعتبر من أهم أولويات البحث العلمي، لمن رام القبض على العلم من صلبه، لا من مُلَحِه وحواشيه. وللأسف فإن غالب البحوث العلمية اليوم في الدراسات الأكاديمية؛ تعاني من الهزال الشديد في المنهج؛ ذلك أنها تعاني أزمة في الاستراتيجيا العلمية، وأزمة في الشروط المنهجية.

       أما الأزمة الاستراتيجية فهي تتمثل في غياب القصد العمراني في البحث، الذي يراعي حاجات الأمة الكبرى في بناء التفكير المنهجي، وتوفير مادة علمية صالحة لبناء المستقبل العلمي في المجال الشرعي. وذلك لما طغى على أغلب تلك البحوث؛ من الارتجال، ونفسية ردود الأفعال! فكلما ألقى الإعلام على الأمة شيئا من القضايا، أو كلما أثار (الآخرون) شيئا من الشبهات؛ رأيت البحوث على عرض العالم الإسلامي وملء جامعاته، ومعاهده؛ تنصب على موضوع الشبهة بالبحث لبضع سنين! بينما كان يكفي ذلك أن يصدر فيه (تأليف) فقط، أو حتى عدة (تآليف) لا (بحث). وفرق عندي بين مفهوم (البحث) ومفهوم (التأليف). فالتأليف: جمع لما هو موجود من العلم، وتصنيف له، ثم عرض له بمنهج إنشائي. فالمؤلف يجمع الأفكار أو يعيد إنتاجها، ثم يعرضها عرضا حسنا في كتاب. أما (البحث): فهو كشف عن مجهول.([15]) إنه تجديد في بناء العلم، أو زيادة – مهما قلت – في صرحه وعمرانه. وما أدق كلمة لأبي بكر بن العربي المعافري رحمه الله في هذا! قال: (ولا ينبغي لحصيف أن يتصدى إلى تصنيف؛ أن يعدل عن غرضين: إما أن يخترع معنى، أو يبتدع وصفا ومتنا! (...) وما سوى هذين الوجهين فهو تسويد الورق، والتحلي بحلية السرق!)([16]).

إن الأمة اليوم في حاجة إلى البحث في التراث الفقهي، أصوله وفروعه؛ تحقيقا وتخريجا وتجديدا؛ بما يضمن تطوير مناهجه وبث ثقافته. كما أنها في حاجة استعجالية؛ لوقف النـزيف الحاصل اليوم في الجامعات العربية والإسلامية، حيث تهدر الأموال، والطاقات، والأعمار، في إصدار وفرة من التآليف باسم البحث العلمي!([17])

إنه لا بد من بناء (استراتيجيا البحث العلمي) لدراسة الجدوى من كل عمل؛ قصد تحقيق بعثة التجديد في الجامعة؛ بما يغطي حاجات الأمة المستقبلية، في فقه الدين والدنيا! ومن أجل ذلك؛ لا بد من إنجاز العنصر الثاني، من الأعمال المنهجية الثلاثة، للتجديد الفقهي، وهو:

الثاني: تجديد أصول الفقه بعمقه المقاصدي.

وليس معنى ذلك عندي إلغاء العمل بالقياس، ومسالك التعليل، على ما يراه بعض الفضلاء. ()كلا! فلا تزال المنهجية الأصولية في أغلب قواعدها صالحة للإعمال والاستعمال، في إنتاج التفكير الفقهي الجديد وضبطه. وإنما هي في حاجة إلى كشف رصيدها العلمي الضخم أولا. ثم تطوير قواعدها الإجرائية؛ بما يضمن استيعاب قضايا العصر الحديث، بشكل مناسب لمقاصد الشريعة ثانيا.

فهي إذن؛ في حاجة إلى (تكميل) أكثر مما هي في حاجة إلى (تغيير). هذه حقيقة يعرفها من خبر مناهج الاستنباط االفقهي في مصادرها الأصيلة. وذلك على الأقل في هذه المرحلة من تاريخ الأمة العلمي. قلت: هذا لمن كان يعرف طبيعة المادة الأصولية والمقاصدية حق المعرفة، من خبراء الميدان. فالدرس الأصولي غني جدا بالتنوع المنهجي، وبالتعدد الإمكاني لمسالك البحث والاستنباط. بما يكفل تغطية أغلب الحاجات العلمية للأمة، في العصر الحديث.

والقياس المعياري – ولا أقول (الضيق) – وُضِعَ لأسباب حضارية، وحاجات علمية، ما تزال قائمة إلى اليوم. ووضعت له منافذ للتوسعة، تبرز حيث تنتصب حاجتها علميا. من مثل القواعد المآلية، كقواعد الاستحسان، وسد الذرائع وفتحها، وقاعدة مراعاة الخلاف، وقاعدة اطراد المصالح الكلية ... إلخ([19]).

إن الحاجة اليوم هي في تجديد الضوابط الأصولية، والقواعد المقاصدية، فيما يتعلق بفقه الأولويات والموازنات. وكذا قواعد ترتيب الحجاج والاستدلال. فأصول هذه الأمور تكاد تنعدم. فالخبراء يستنبطون مفاهيمها لأنفسهم، ويبقى غيرهم من أهل العلم تائهين في فتنة تعارض الظواهر ومقتضيات الدلالات! فتدخل الأمة بذلك في فتنة ردود الأفعال، من مثل ما يحصل اليوم من افتراقٍ مفتونٍ! ينشق بين قوم لا يشتغلون بالسنة؛ مكتفين فقط بالقرآن! وبين قوم آخرين لا يشتغلون بالقرآن مكتفين فقط بالسنة! وبين قوم آخرين لا يقبلون اجتهادا في الدلالة، ولا في مقاصد الشريعة؛ ولا نظرا في تحقيق المناط بين عموم وخصوص! وقوم غيرهم تسيبوا في تفسير الخطاب الشرعي؛ بما يخالف الأصول الكلية، والثوابت الشرعية. كل ذلك ردود أفعال لا شعورية؛ بسبب غياب العدل في العلم، والقصد في المنهج.

        إننا في حاجة إلى تكميل أصول الفقه بقواعد، تضمن بناء مراتب التشريع. ليس بمعنى الترتيب التقليدي للأصول: الكتاب فالسنة فالإجماع فالقياس. كلا ! فهذا ترتيب مدرسي، لا إشكال فيه ولا خلاف، وإنما القصد منه بيان قوة الحجة الكلية للدليل. وأما قواعد الترتيب التشريعي المطلوب تجديدها؛ فهي المتعلقة بترتيب التفكير الفقهي، الضابطة لمراحله الذهنية، بدءا بمرحلة الفهم للنص: كيف يتم؟ ثم مرحلة الاستنباط منه: كيف تقع؟ ثم مرحلة التحقيق للمناط: كيف تتنزل أحوالها ومآلاتها بين العموم والخصوص؟ وما يعتري كل ذلك من تقديم وتأخير، أو استثناء وتخصيص، للأدلة بعضها على بعض، وبعضها من بعض، إلى غير ذلك من سائر الأحوال، والممكنات الاستدلالية في الدرس الأصولي والمقاصدي.

ثم أيضا القواعد المقعِّدة لقوة التحقيق والتطبيق على الواقع الإنساني، وميزان أولوياتها على وزان قوة الحكم الشرعي. وإنما يكتسب قوته بمصدره ومآله. فليس ما شرع في القرآن – من حيث القوة التشريعية – على وزان ما اشتغلت السنة بتشريعه، ولا ما شرع في السنة على وزان ما اشتغل الاجتهاد بتشريعه. وليس ما أجمل في الكتاب كما فصل فيه. هذا ترتيب لا تكاد تجد له في أصول الفقه قواعد مفصلة إلا قليلا. رغم أنه جار في الاعتبار الفقهي لدى أغلب علماء الأمصار والمجتهدين الكبار.

وعدم اعتبار هذه المعاني الكلية، والترتيبات الاستدلالية، مما سبق ذكره إجمالا؛ يؤدي إلى أحد غلوين: غلو في اعتبار القرآن بلا سنة! أو السنة بلا قرآن! أو غلو في اعتبار النصوص مطلقا بلا فقه، ولا منهج معلوم! وإنما هي الفوضى في المنهج وفي التفكير!

كما أننا في حاجة – بعد ذلك - إلى تكميل قواعد تحقيق المناط بمعناه العام والخاص([20]). وتطوير ذلك من مجال النفس إلى مجال المجتمع. ذلك أن كثيرا من التضارب بين العلماء والدعاة اليوم، في الفتاوى وفي رسم التوجهات الفقهية؛ يرجع في غالبه إلى غياب ما يمكن تسميته بفقه (تحقيق المناط الاجتماعي). وهو صناعة أصولية درج بعضهم على تسميتها اليوم: (بفقه التنـزيل). وهذا لا يزال في حاجة إلى تأصيل وتقعيد، وما صنف من هذا في التراث القديم هو فعلا في حاجة إلى (تجديد) بعض نماذجه. خاصة في مجال المعاملات والعادات. إذ فقه تحقيق المناط في مثل هذه الأمور؛ مرتبط بطبيعة الزمان وأهله. يتغير بتغيرها. وقد تغير فعلا منه الكثير الكثير. فلا بد من تجديد ذلك، على شروط العلم، وقواعد المنهج الأصولي.

وأما تجديد مقاصد الشريعة من أصول الفقه؛ فهو – أولا - بالصياغة المنهجية؛ لما يوجد منها منثورا في كتب الفقه وأصوله. ومعلوم أن من فعل ذلك من العلماء الأقدمين والمحدثين في الأمة قليل . فلا يذكر منهم غير الشاطبي في الأقدمين وشراحه من المحدثين كالشيخ الشنقيطي والإمام الطاهر بن عاشور. فالمفاهيم المقاصدية لا تزال مبثوثة في كتب الأقدمين ليس فقط في الكتب المشتهرة بذلك كقواعد الأحكام للعز بن عبد السلام كلا ! وإنما في كتب الفقه مطلقا وفي كل كتب الأصول ، بل في كتب التفسير أيضا وفقه الحديث . تحتاج إلى كشف أولا ثم إلى صياغة علمية منهجية على وازن القواعد والأصول.

ويضاف إلى ذلك – ثانيا - ما دعت إليه الحاجة المعاصرة؛ من تقعيد القواعد، مما يُقَصِّدُ الشارع تقصيداً شرعيا، في تفسير النصوص الكلية؛ لاستيعاب المفاهيم الجديدة للمصالح والمفاسد والحقوق، بما ينضبط إلى أحكام الشريعة.

والتفكير المقاصدي ضرورة من ضرورات البعثة، وأصل من أصول التجديد. فبغيره تتيه الأمة بين الظواهر، بما قد يرفع شوكة الفكر الخارجي من جديد. أو يدخلها – بالضد - في متاهات التحليل الباطني. ويبقى الوسط بعيدا عن لسان الميزان! وشيء من هذا وذاك – مع الأسف – هو حاصل! ولله عاقبة الأمور!

ثالثا: تجديد "أصول الفقه السياسي"
إن هذا الاصطلاح دال على مفهوم هو في الحقيقة من مفاهيم علم أصول الفقه بمعناه العام. لكننا أفردناه بالذكر ههنا؛ لجهل بعض الناس به؛ بل لإنكارهم إياه مطلقا! ثم لما له من خطورة في بعثة التجديد. خاصة في زماننا هذا!

إن "أصول الفقه السياسي" أمر لازم بالضرورة عن فقه تحقيق المناط في أصول الفقه. وأمر لازم بالضرورة أيضا عن فقه "اعتبار المآل" في مقاصد الشريعة، كما قرره الإمام الشاطبي([21]). ثم هو - قبل هذا وذاك - ضرورة من ضرورات الاجتهاد المعاصر، لا يكون العالم اليوم مجتهدا بحق؛ إلا بتحصيل درجة الاجتهاد فيه!

لكن لا بد من بيان أمر:

لقد قررنا في كتابنا "البيان الدعوي"، تأخرَ الرتبة التشريعية للأحكام السياسية في الإسلام؛ بما يعني عدم مفتاحية الشأن السياسي دعويا([22]). فذلك أمر آخر تماما، مختلف عما نحن فيه. إن ذلك يتعلق ببناء "البرنامج السياسي" في المجال الدعوي.

ونحن نفرق بين "البرنامج السياسي" و"أصول الفقه السياسي". فالأول فقه جزئي تطبيقي، والثاني كليات وقواعد. بمعنى أن "البرنامج السياسي" ما هو إلا عنصر جزئي من عناصر "أصول الفقه السياسي"، كنسبة فقه المواريث مثلا إلى مجموع الفقه، بل إلى كلي أصوله. ولذلك رأينا أن "البرنامج السياسي" – بما هو علم جزئي- ليس هو المفتاح الأساس لبعثة التجديد الإسلامي. بل هو أمر مقصود بالتبع، وليس بالأصالة في تجديد العمران الديني للمجتمع.

         أما الثاني - أعني فقه الكليات السياسية، أو أصول الفقه السياسي - فهو منهج معرفة سنن التحولات، وسنن التوقعات والمآلات، فيما يتعلق بتدبير شؤون المجتمعات، على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي. وبهذا كان مصدرا من مصادر فقه الدعوة الإسلامية. ومن ظن أن العالم الإسلامي قطعة معزولة، أو بالأحرى يمكن عزلها عن السياسة الدولية؛ فهو ما يزال يعيش خارج التاريخ!

وبمثل هذه الأخطاء القاتلة، في الفهم وفي المنهج؛ يتم استغفال بعض العلماء وتوظيفهم - على جلالة قدرهم – والدفع ببعض الجماعات الإسلامية؛ بما يؤدي بها إلى الانتحار في نهاية المطاف! أو إلى زيادة تمزيق مِزَقِ الأمة؛ بما يؤخرها عشرات السنين إلى الوراء!

إن "أصول الفقه السياسي" ضرورة من ضرورات الاجتهاد اليوم. لا يجوز لعالم أن يتصدى للإفتاء في الشأن الإسلامي العام، المرتبط بمصائر الشعوب الإسلامية، وأمنها الاستراتيجي، المادي والمعنوي؛ إلا بتحصيل درجة الاجتهاد فيه. فلابد إذن من إحكامه، وبناء قواعده، واستنباط مناهجه؛ لضمان تفكير فقهي سليم. يبني ولا يهدم، ويرشد ولا يضلل.

إن أصول الفقه السياسي هو قواعد لفهم ما يجري في العالم، وقواعد لاستنباط ما يناسبه من أحكام وفتاوى، على موازين الكتاب والسنة. وأي فتوى تُنَزَّلُ بغيره ولو على محلها فإنما هي رمية من غير رام. وإنما جاء الدين ليتنـزل على واقع الناس،  بما هو موصوف في الزمان والمكان! وأصول الفقه السياسي هو الكفيل بذلك الوصف، في مجال تدبير الشأن العام.

ويمكن أن تستقرى قواعده – زيادة على التراث الأصولي والمقاصدي – من قواعد العلوم السياسية والاقتصادية والإعلامية. فهذه ثلاثة مجالات، هي من الخطورة بحيث يُعتبر الخوض في محاولة بناء الأمة، وتجديد بعثتها من دون مراعاتها؛ ضربا من المغامرة بمصيرها! ونوعا من المقامرة بوجودها! وقد عُلِم شرعا تحريم كل عقد بني على  الغرر والمقامرة!  

وأخيرا، فإن تجديد العلم بتلك المواصفات؛ معناه تجديد العلماء! لأنهما متلازمان. كتلازم الصفة مع الموصوف. فالعالم الفقيه حقا: إنما هو الذي بقدر ما يجتهد في استنباط الأحكام من النصوص، أو من عللها، أو حكمها؛ يجتهد أيضا في تربية الجيل بها. ولا يكون ذلك إلا بمعرفة الزمان وأهله، على ما قررناه في أصول الفقه السياسي. فذلك هو الإمام المنتصب، أو العالم الوارث، المبعوث للتجديد بإذن الله.

------------------------------


- ن . بلاغ الرسالة القرآنية: 50-58.

 رواه الطبراني في الكبير. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله موثقون. كما رواه ابن النجار عن أنس رضي الله عنه بلفظ: (العلماء) بدل (الفقهاء). وقال العجلوني في كشف الخفاء: رجاله ثقات. كما روى نحوه الديلمي عن علي كرم الله وجهه.

 رواه أحمد والدارقطني والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 76

ن . قناديل الصلاة للمؤلف، وبلاغ الرسالة القرآنية: 70-80.

   رواه مسلم.

 جزء حديث، أخرجه أحمد والترمذي والحاكم وابن ماجه والبيهقي والطبراني، عن معاذ مرفوعا. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير.

رواه الحاكم والبيهقي‌‌ عن ابن عمر‌.‌ وصححه الألباني.‌ انظر حديث رقم‌:‌ 1603 في صحيح الجامع‌.

 رواه ابن ماجه. وحسنه الألباني في صحيح الجامع.

متفق عليه.

 أخرجه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم، كلهم عن عبدالرحمن بن عوف. كما أخرجه الحاكم عن أبي هريرة. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير.

 متفق عليه.

 صحيح البخاري، كتاب العلم.

 لزيادة التفصيل يمكن مراجعة كتيبنا الذي وضعناه لهذا الغرض: "مفهوم العالِمية".

  رواه أحمد، وابن ماجه‌ عن أنس مرفوعا‌.‌ ‌وصححه الألباني في‌ صحيح الجامع الصغير، رقم‌:‌ 6765. كما رواه الترمذي والضياء عن زيد بن ثابت مرفوعا، بسند صحيح كما في صحيح الجامع. رقم: 6763.

- ن. أبجديات البحث في العلوم الشرعية:24.

 عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي: 1/ 4.

 وبالمناسبة فقد رأيت عدة (بحوث) أنجزت في موضوع المرأة في السنوات الأخيرة، أو سجلت لنيل بعض الشهادات. وبالاستقراء كانت القضايا المدروسة في أغلب هذه البحوث هي هي! والمنهجية المتبعة هي هي! والنتائج المتوصلة إليها هي هي! لماذا؟ السبب بسيط: هو أن موضوع المرأة في الإسلام قد قتل بحثا من لدن الدارسين. وما بقي فيه مجال إلا (للتأليف) بالاصطلاح المذكور! وما كان ينبغي أن نكون كلما ألقى شيطان الغرب؛ في روع عملائه ومقاوليه شبهةً؛ أن نهب بكل طاقاتنا لإصدار البحوث، وإنجاز الأطروحات!

- تجديد أصول الفقه للدكتور حسن الترابي.

- ن. الموافقات:4/194- 210.

- الموافقات: 4/98 .

الموافقات: 4/194.

- البيان الدعوي: 54.


السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ العمران القرآني