العلماء ينكرون على من قال إن الله في كل مكان

ابو رملة محمد المنصور

العلماء ينكرون على من قال إن الله في كل مكان

لم يزل علماء الأمة ينكرون مقالة الجهم بن صفوان القائل بأن الله في كل مكان منذ أن أظهرها . ومنهم الحافظ أبو عمر ابن عبد البر المالكي (ت463هـ) . قال في كتاب التمهيد شرح الموطأ في شرح الحديث الثامن لابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عن النبي ^ قال : "ينزل ربنا في كل ليلة إلى سماء الدنيا .." الحديث . قال رحمه الله :

هذا الحديث ثابت من جهة النقل ، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته ..وفيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على العرش، من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة. وهو حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم إن الله في كل مكان وليس على العرش.[1]

ثم شرع في سرد الأدلة والحجج على هذا وأتى من البيان بما لا مزيد عليه جزاه الله خيرا .

ومنهم الإمام القدوة أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي – الذي ينتسب إليه القادرية – (ت561هـ) [2] حيث قال في كتابه "الغنية لطالبي طريق الحق":

..وهو بجهة العلو مستو على العرش ، محتو على الملك ، محيط علمه بالأشياء ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر : 10] ، ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون﴾ [السجدة : 5] ، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان ، بل يقال : إنه في السماء على العرش كما قال : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] . وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل ، وأنه استواء الذات على العرش .. وكونه سبحانه وتعالى على العرش ، مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف .[3]

ومنهم شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله (ت 728هـ)قال :

فكل من قال إن الله بذاته في كل مكان فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده ولصريح المعقول .[4]

ومنهم الحافظ الإمام  أبو عبد الله القرطبي المالكي صاحب التفسير (ت671هـ). فقد قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثم استوى على العرش﴾ في سورة الأعراف:

وقد كان السلف الأُول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته.[5]

ومنهم الحافظ ابن كثير رحمه الله (ت 774هـ) . وسأنقل لك ما قاله عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿هو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون﴾ [الأنعام : 3] . قال رحمه الله :

اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية الأُوَل القائلين - تعالى عن قولهم علوا كبيرا - بأنه في كل مكان حيث حملوا الآية على ذلك . فالأصح من الأقوال أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض أي يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض ويسمونه الله ويدعونه رغبا ورهبا إلا من كفر من الجن والإنس . وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى :﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾ [الزخرف : 84] أي هو إله من في السماء وإله من في الأرض . وعلى هذا فيكون قوله: ﴿يعلم سركم وجهركم﴾ خبرا أو حالا .[6]

والقول الثاني : أن المراد أنه الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض من سر وجهر فيكون قوله: ﴿يعلم﴾ متعلقا بقوله :﴿في السموات وفي الأرض ويعلم ما تكسبون﴾ .

والقول الثالث : أن قوله :﴿وهو الله في السموات﴾ وقف تام، ثم استأنف الخبر فقال :﴿وفي الأرض يعلم سركم وجهركم﴾ وهذا اختيار ابن جرير .[7]  

 

--------------------------------

[1] المصدر السابق 7/128.

[2] ترجمته في سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ، تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرين ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، لبنان ، ط. الرابعة ، 1406هـ/1986م ، 20/439-451. وهو من أعلام أهل السنة المعتبرين كما تدل على ذلك أخباره رحمه الله . ولقد بالغ الإمام الذهبي في الثناء عليه وذكر من عقيدته السلفية ثم قال : "ليس في كبار الأولياء من له أحوال وكرامات أكثر من الشيخ عبد القادر ، لكن كثيرا منها لا يصح ، وفي بعض ذلك أشياء مستحيلة .. وفي الجملة الشيخ عبد القادر كبير الشأن ، وعليه مآخذ في بعض أحواله ، والله الموعد ، وبعض ذلك مكذوب عليه". اهـ من سير أعلام النبلاء 20/450-451.

[3] الغُنْيَة لطالبي طريق الحق للشيخ عبد القادر الجيلاني ، المكتبة الشعبية ، بدون تاريخ ، ص 54-57 باختصار . ونقل هذا الكلام عنه الذهبي في كتاب العرش ص 154 وترحّم عليه .

[4] مجموع الفتاوى ، دار الوفاء ، المنصورة ، مصر ، ط.الأولى ، 1418هـ/1997م ، (5/230).

 

[5] الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد القرطبي، 7/219.

[6] وهذا القول هو الذي أيده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى 2/404.

[7] تفسير القرآن العظيم ، دار المعرفة ، بيروت ، لبنان ، ط.الأولى ، 1407هـ/1987م ، (2/127-128).

مقالات مرتبطة بـ العلماء ينكرون على من قال إن الله في كل مكان