العبادة في الإسلام سلوك جمالي محض

الدكتور / فريد الأنصاري

والعبادة في الإسلام سلوك جمالي محض. وذلك بما تبعثه في النفس من أنس وشعور بالاستمتاع. فالسير إلى الله عبر الترتيل، والذِّكْرِ، والتدبير، والتفكر، والصلاة، والصيام.. وسائر أنواع العبادات؛ إنما هو سير إليه تعالى في ضوء جمال أسمائه الحسنى، بما هو رحمن رحيم، مَلِكٌ، قدوس، سلام.. إلخ. وليس عبثاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصف الصلاة بما يجده فيها من معاني الراحة الروحية، ويقول لبلال رضي الله عنه:

( يَا بِلاَلُ! أَقِمِ الصَّلَاةَ!.. أرِحْنَا بِهَا!)

ومن العجيب حقاً أنه عليه الصلاة والسلام ذكر متع الدنيا وجماليتها فجعل منها الصلاة، مع العلم أن الصلاة عمل أخروي لا دنيوي! وذلك قوله الصريح الواضح:

(حُبِّبَ إلىَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ والطَّيبُ، وَجُعِلَ قًرَّةُ عَيْنِي في الصَّلَاةِ!)

وتوجيه الحديث دال بسياقه على أنه أحب من الدنيا جماليات النساء والطيب وما يوحي به الأمران من جمال العواطف والمظاهر، ويقول في السياق نفسه:

(وَجُعِلَ قُرُّةُ عَيْنِي في الصَّلَاة)!

أي كمال سعادتي وجمال لذتي في صلاتي لله الواحد القهار؛ وذلك لما كان يجده من أنس وراحة تامين على مستوى الوجدان الآتي الدنيوي، بعض النظر عن المآلات الأخروية؛ لأن التعبير صريح في تصنيف الصلاة في هذا السياق ضمن محبوبات الدنيا! وقد أثِرَ عن غير واحد من السلف والزهاد تعلُّقُهم بالدنيا لا من أجل ذاتها من أجل ما يجدون فيها من لذة العبادة، وجمالية السير إلى الله! وهذا من أدث المعاني وألطف الإشارات الوجدانية!

 

فالجمالية الإسلامية إنما تكتمل بهذه الأركان الثلاثة جميعاً: الحكمة والمتعة والعبادة وعليه؛ فإن السلوك الإسلامي انطلق متحلياً بجماليته إلى جميع مناحي الحياة، الفنية، والإبداعية، والثقافية، والعمرانية، والأخلاقية, والاجتماعية. فكانت له في كل ذلك تجليات خاصة تتميز بخصوص المفهوم الإسلامي للجمال.

 

وحديثنا في هذا الكتاب إنما هو عن (جمالية الدين). الدين بما هو منبع الجمال في الإسلام، وبما هو أساس تأطيرالحياة الجمالية، في شتى تجليات الحضارة، المعنوية والمادية. أي من الترتيل إلى التشكيل. أو بعبارتنا المنهجية: (من القرآن إلى العمران).

 

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ العبادة في الإسلام سلوك جمالي محض