الخَوفُ والرَجَاء، مِنحَة الله لِمن ارتضى

الخَوفُ والرَجَاء، مِنحَة الله لِمن ارتضى

أحمد صقر

الخَوفُ والرَجَاء، مِنحَة الله لِمن ارتضى، أدْرَكَها الفُطَناء، وعَمِل بها الأولياء، بُشرَى القَبُول، وسِرُ الاصطِفاء، فإن رُمْتَ عِبَادة ترجو لها قَبولا، فاصنع لها جناحي طائرٍ خشية الرَد، ورجاء القبول تُحَلِق بهما سامياً في سماء العُبُودية، لائِذَاً بصدق الإتباع، مُخلِصاً، مُتَحسِسَاً قدر خوفك ورجاءك فضله في أروِقَة قلبك وصفحات نفسك، فإن وَجَدت فتلك نعمة تستوجب شُكره، وإلا فقد استشرفت خَطراً، وكنت على شَفا جُرُفٍ هَارٍ يوشك أن يَنهَار بك في هاوية الآبِقِين، فأجلِب على نفسك حِينَها بخَيْلِك ورَجْلِك وأطْوِعها لربها رغباً ورهباً.

ولكل عبادةٍ ظل ٌ هو أمَارة الحياة وعلامة الوُجُود، كما الأشياء، وظِلُ كل عبادةٍ ما يَجِده المرء في قلبه حال التَلبُس بها وبعد إتمامها من خوفٍ لعَدم القَبُول، وخشخشة أنفاس مترددة في صدر كل مُرتَاع، رجاء التفضل بقبولها.

واعلم أنه من وَجَد الله فما فَقَدْ، ومن فَقَدْ ظِلَه فكل شيء فَقَدْ، فهذا حزين يرجو حبوراً، وذلك مُسرِف على نفسه يرجو توبة وقبولاً، يدعُوه رَغَباً ورَهباً، خوفاً وطَمعاً، وذاك آمِل يرجو بُلوغ أمله، قانِت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر لقاء ربه ويرجو رحمته، ويخاف عقابه، وكل ذلك مَعقُود على جَبِيْن مخافته ورجاء اللَوْذ به سبحانه.

" اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم "

وكل أحد إذا خِفتَه هَربت منه فِراراً، إلا الله إن خِفتَه فَرَرت إليه مُتَحَصِناً به وراجياً، فمَن بكى خطيئته وألقى بقلبه في محراب الخوف وَجِلاً، مُيَمِمَاً وجهه رحمة ربه، يحذر غضبه ويخشى عقابه، يحْدُوه الرجاء والإنابة، إلا أمَّنَه الله مخافته، وهَدَاه مَعِيَته، وأورثه جَنَة وحَبُوراً، أولئك لهم الأمْن وهم مهتدون.

ولا أشقى مِمَن يَدَّعِى حُسْن ظَنٍ وقد تَلَبَس بالغُرُور

فدَع عنك غُربة تشكو لَظاها واطمع منه في الفَضل الكبير

وإن تَقَطّع بك السَبِيل يوماً فالزَم بَابَه تَحظَى بالسُرُور

ويا أيُها المُؤَمِّل، تَرجو حياة في تِيهِ البَقَاء

مُتكَبر، مُتَغَافِل في وَجْدِ التناسى ومُر الجَفَاء

إربا بنفسك من وَعْثَائِها وانْجُو بِها من سَامِ الشَقَاء

وقل يَمَمْت وَجهِى سَبِيل الرَجَا فاصْفَح عن عَبدٍ بجَهل أسَاء

ومِن عذاب ربك أُرجُو فِكَاكاً والزَم أنِين المآقي وصدق البُكاء

رأيت العَزائم في فُتُور وقد أظَلَتنا مَواسِم الاصْطِفَاء

فأقِم نفسك في مِحرابه مُبتَهلاً بَتُولاً تَنَل خير الجَزاء

ولُذ بِربك خوفاً وطمعاً وقُل يا رب عَفوُك عن طِيْنٍ ومَاء.

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ الخَوفُ والرَجَاء، مِنحَة الله لِمن ارتضى