الخطوة الثالثة: التزكية بمنهج التََّدَبُّر

الشيخ / فريد الأنصاري

 

والتزكية: هي عملية التطهير للنفس، والتربية لها بما يخلصها من مراعاة غير الله، للوصول بها إلى منـزلة الإخلاص! قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)(الشمس:9-10). وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: (وَيُزَكِّيهِمْ): (يعني بالزكاة: طاعة الله والإخلاص)(1). ولذلك فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كان حريصا على تطهير صحابته من الأهواء، والارتقاء بهم عبر مدارج الإيمان، إلى ما هو (أحسن عملا). ولا أحسن من تخليص العبودية لله الواحد القهار، وتعبيد القلب له وحده دون سواه.

وانظر - رحمك الله - كيف ذكر التزكية قبل التعليم في الآيتين من آل عمران والجمعة، مع أنه لا تزكية بغير تعليم ابتداء، على ما ترجم له الإمام البخاري رحمه الله في كتاب العلم من صحيحه قال: (باب العلم قبل القول والعمل). وقد قُدِّمَ ذِكْرُ التعليم على التزكية - بناء على الأصل - في قوله تعالى من دعوة إبراهيم:

(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)

(البقرة:129).

صحيح أن العطف بالواو - في الآيات كما هو في العربية - لا يفيد الترتيب، لكن التقديم والتأخير في البلاغة يفيد الأهمية؛ ومن هنا جاءت التزكية في الآيتين الأوليين مقدمة على التعليم؛ من باب ذكر المقاصد قبل الوسائل؛ لشرف الغاية وعلوها؛ وحتى لا يفتتن السائر بالوسيلة عن الغاية؛ فيضل عنها، ويكون من الخاسرين.


وإذا كانت التزكية تربيةً وتنمية لعناصر الخير والإيمان في الإنسان حتى يصفو القلب لله وحده؛ فإنها إذن تحصيل مرتبة النفس الزكية، المتخلقة بالقرآن. وهذا أمر يبدأ في الحقيقة منذ اللحظات الأولى لشروع العبد في الاشتغال بكتاب الله تعبدا. أي منذ بدء عملية التلاوة أو عملية الاستماع للقرآن الكريم بمنهج التلقي، ثم عملية التعلم بمنهج التدارس. وليست التزكية متوقفة على الدخول في مرحلة منفصلة تمام الانفصال، كما بيناه قبل. وإنما التزكية هي عملية متواصلة، تنطلق بانطلاق الدخول في العتبات الأولى للقرآن الكريم تلاوةً وترتيلا، ثم تعلما وتعليما، وتدارسا وتدريسا، ثم يكون من المؤمن آنئذ ما يكون من التزكية المنمية لعناصر الخير فيه؛ فإذا به كحقل القمح الصالح يفيض بالرزق الوفير والبركات! وما أدق وصف النبي صلى الله عليه وسلم لأحوال الناس إزاء الهُدَى، فيما ضربه لذلك من مثل عجيب!

قال عليه الصلاة والسلام: (مَثَلُ ما بعثني الله به من الهُدَى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكثير، أصَابَ أرضاً فكَانَ منها طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ والعُشْبَ الكثير. وكانتْ منها أَجَادِبُ أمْسَكَتِ الماءَ، فنَفَعَ اللهُ بها الناسَ، فشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا. وأصابَ منها طائفةً أخرى إنما هي قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ ماءً، ولا تُنْبِتُ كَلأً ! فذلك مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دِينِ الله ونَفَعَهُ ما بعثني الله به؛ فَعَلِمَ وعَلَّم! وَمَثَلُ مَنْ لم يَرْفَعْ بذلك رَأْساً، ولم يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الذي أُرْسِلْتُ به!)

متفق عليه

فهذه إذن أصناف ثلاثة: الصنف الأول منها: هو حال من قَبِلَ الهدى وتفقه في الدين؛ حتى كان منه ما كان من الصلاح لنفسه والإصلاح للناس؛ فانتفع هو ونفع الله به غيره! وهو أحسن الأصناف؛ لأنه أوعى قلبا، وأبْعَدُ أثرا، وأدْوَمُ فضلا. والصنف الثاني: هو حال من آمن ولم يتفقه في الدين، لكنه أسهم في نقل الخير – مما سمع وتعلم - إلى الناس، فكان منهم الذين يتدارسونه ويتفقهون فيه. وأما الصنف الأخير فهو حال من أعرض عن الوحي، ولم يقبل هدى الله؛ فكان من الخاسرين!

فالصنف الأول إذن؛ الذي مَثَلُه مَثَلُ الأرض الطَيِّبَة التي قَبِلَتِ الْمَاءَ – يعني القرآن - فَأَنْبَتَتِ الكَلأ والعُشْبَ الكثير! وذلك بسبب أنه (فَقُهَ في دِينِ الله ونَفَعَهُ ما بعثني الله به؛ فَعَلِمَ وعَلَّم!) كما في الحديث؛ هو الصنف الذي سار في تلقيه عن الله على منهج القرآن مما حُدِّدَ في وظائف النبوة من مراحل، من تلاوة وتدارس؛ لأن بذلك يكون الفقه في الدين أو لا يكون! والـ(فقه) هنا في الحديث ليس بالمعنى الاصطلاحي الضيق، من المعرفة بالأحكام الشرعية التكليفية، بل هو بمعناه القرآني الشامل، الذي يجمع كل معاني العلم بالله، وبالحقائق الإيمانية، وما يقتضيه ذلك كله من الحكمة. وهو مقصود قوله تعالى في الآية:

(وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)

. ذلك هو الفقه في الدين. وهذا كما تبين إنما هو نتيجة التفاعل مع المراحل الأولى من وظائف النبوة. وهو عين التزكية.

فالتزكية إذن هي أشبه ما تكون بنتيجة للتلاوة والتدارس لكتاب الله. إلا أن هذه النتيجة لن يتم استثمارها على الحقيقة، ولا تحصيلها على التمام إلا إذا الْتُقِطَتْ بمنهج التَّدَبُّر؛ إذ التَّدبُّر – كما سترى بحول الله - هو الذي يورث القلب الاعتبار، ويمنح النَّفْسَ العزيمةَ على الدخول في الأعمال. فالحقائق الإيمانية والحِكَم القرآنية لا تصطبغ بها النفس إلا عند التدبر والتفكر! وذلك هو معنى التخلق بأخلاق القرآن، حيث تصبح تلك الحقائق وتلك الحِكَمُ خُلُقاً طبيعيا للمسلم. على ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه:

(كان خُلُقُه القرآن!)

رواه مسلم.

والتَّدبُّر وإن كان أمرا ممكنا حصوله مع الخطوتين السابقتين؛ إلا أنه لابد لتحصيل نتائجه التخلقية بصورة تربوية صحيحة، تورث زكاة النفس وجمالها؛ من أن تكون له في النفس والوجدان خطوة خاصة! يتفرغ القلب لها بجامع شعوره وكامل حضوره؛ لاستخلاص الهدايات التي وردت بها الآيات، واستخلاص سُبُلِ التخلق بها! خطوة خاصة تلي عملية التلاوة والتعلم أو التدارس، لكنها لا تنتهي بنهاية المجلس الذي عقدته لهذه الغاية، بل تستمر في النفس حركةً وجدانيةً لا تتوقف أبدا! وتلك هي ثمرة القرآن الكريم التي يتذوقها الربانيون حقا! وهي غاية الوظيفة النبوية من البلاغ الرسالي في قوله تعالى: (وَيُزَكِّيهِمْ).

المراجع

  1. رواه الإمام الطبري، وكل ما رواه من الأقوال في الآية لا يكاد يخرج عن هذا المعنى، مثل قوله عن ابن جريج: (قال: يطهرهم من الشرك ويخلصهم منه). جامع البيان: 1/558.



السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ الخطوة الثالثة: التزكية بمنهج التََّدَبُّر