الخشوع في الكتاب والسنة

الشيخ / خالد بن عثمان السبت



تكرر الخشوع في كتاب الله عز وجل، وجاء في معان متعددة: منها الذل، وسكون الجوارح، والخوف، والتواضع، وهذه أربعة معان، ويمكن أن يضاف إليها معنى خامس: وهو الجمود واليبس:

فأما المعنى الأول: وهو مجيء الخشوع بمعنى الذل: فكما قال الله عز وجل:

"وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا[108]" 

[سورة طه]

أي: ذلت، ويقول الله تعالى:

" لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا[21]" 

[سورة الحشر]

أي: ذليل، وقال:

"وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ[2]"

 [سورة الغاشية] .

وأما الخشوع بمعنى سكون الجوارح: 

فكما قال الله عز وجل:

"الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ[2]"

[سورة المؤمنون] .

قال الحسن:' كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم، وخفضوا لذلك الجناح' .

وقال مجاهد رضي الله عنه:' هو السكون' .

وجاء عن ابن عمر رضي الله عنه:' إذا قاموا في الصلاة أقبلوا على صلاتهم، وخفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم، وعلموا أن الله يقبل عليهم فلا يلتفتون يمينًا وشمالًا' .

وقال ابن عباس في تفسيرها: ' أي خائفون ساكنون ' وبه قال طائفة من السلف كمجاهد، والحسن، وقتادة، والزهري، وإبراهيم النخعي .

وجاء عن سعيد بن جبير رحمه الله قال: ' يعني متواضعين، لا يعرف من عن يمينه، ولا من عن شماله، ولا يلتفت من الخشوع لله عز وجل '. هذا معنى من قام لله خاشعًا:

"الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ[2]"

[سورة المؤمنون]

فهو ساكن الجوارح، منكسر القلب لا يرفع بصره، ولا ينظر عن يمينه ولاعن شماله . وقد ذكر شيخ الإسلام في عدد من كتبه هذه المعاني [السابق 7/28-30، 22/ 553-557] وذكر غيرها       

كقول الضحاك:'الخشوع هو الرهبة لله عز وجل' أي: هذا الخشوع الذي ذكره الله جل جلاله.

ونقل عن أبي سنان أنه قال في هذه الآية:' الخشوع في القلب، وأن يلين كنفه للمرء المسلم، وألا تلتفت في صلاتك'. ونقل عن قتادة قال:'الخشوع في القلب، والخوف، وغض البصر في الصلاة ] وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله في معنى :

"الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ[2]"

[سورة المؤمنون].

يقول:' ومنه خشوع البصر وخفضه وسكونه، يعني أنه مضاد لتقليبه في الجهات، كقوله تعالى:

" فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ[6]خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ[7]مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ[8]"

[سورة القمر]

"خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ"

أي: أنها ساكنة ذليلة، ثم ذكر الآية الأخرى وهي قوله تعالى:

"يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ[43]خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ[44]"

 [سورة المعارج]

وفي القراءة الأخرى:

"خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ "

 يقول:'وفي هاتين الآيتين وصف أجسادهم بالحركة السريعة، حيث لم يصف بالخشوع إلا أبصارهم، بخلاف آية الصلاة وهي:

"الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ[2]"

[سورة المؤمنون]

. فإنه وصف بالخشوع جملة المصلين يعنى البصر والبدن  وصفهم بكليتهم أنهم حققوا الخشوع فقال:

"الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ" وقال: "وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ[45]"

[سورة البقرة]

 . لم يقل إلا على الخاشعين في أبصارهم بينما في المحشر قال:

"خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ...[7]"

 [سورة القمر]

.مع أنهم يسرعون في مشيتهم، ويقول شيخ الإسلام:'ومن ذلك خشوع الأصوات كقولة:

" وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ...[108]" 

[سورة طه]

وهو انخفاضها وسكونها' أ. هـ بتصرف .

ومما يدخل في هذا المعنى- وهو الثاني: السكون-

قوله تعالى:

"وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ[238]"

 [سورة البقرة]

حيث قال مجاهد:'من القنوت: الركون والخشوع وغض البصر، وخفض الصوت، والرهبة لله ' .

مقالات مرتبطة بـ الخشوع في الكتاب والسنة

  • الفرق بين الخشوع وبين الضراعة

    الشيخ / خالد بن عثمان السبت

    الفرق بين الخشوع وبين الضراعة: فكذلك بينهما تقارب،وقد قيل: أكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح في الظاهر،

    07/04/2018 946
  • الفرق بين الخشوع وبين الخضوع

    الشيخ / خالد بن عثمان السبت

    الفرق بين الخشوع وبين الخضوع: فبينهما تقارب أيضاًَ، وقد قيل: أن الخضوع: بالبدن، يقال:فلان خضع لفلان، وإن كان

    07/04/2018 1401
  • أن الخشوع يورث صاحبة أخلاقاً محمودة

    الشيخ / خالد بن عثمان السبت

    4- والأمر الرابع هو: أن الخشوع يورث صاحبة أخلاقاً محمودة: وذلك أن الخشوع أصل من أصول الأخلاق، وأساس من أسسها

    10/04/2018 467