الخامس مما يعين علي الإخلاص و دفع أضداده : إخفاء العمل

الشيخ / خالد بن عثمان السبت

و لهذا كان الصوم من أجل الأعمال ؛ لأنّه يخفى على الناس ، و لأنّه يحتاج إلى الصبر ، و لهذا كانت صدقة السر في الجملة أفضل من صدقه العلانية ، و لهذا كانت الصلاة بالليل بالغةً مبلغها عند الله عز وجل لأنّ العيون لا ترى صاحبها و هو يُصلي ، يقول بشر الحافي رحمه الله : " لا تعمل لتُذكر ، اكتم الحسنة كما تكتم السيئة " ، و يقول أبو الحازم : " اكتم حسناتك كما تكتم سيئاتك " .

و كان أيوب السختياني رحمه الله يصلي الليل أجمع ، يقوم طول الليل و يُخفي ذلك ، فإذا كان الصبح رفع صوته كأنّه قام تلك الساعة ، يتظاهر أنّه لم يقم إلا على أذان الفجر .

و كان عبد الرحمن ابن مهدي رحمه الله يصلي ، فإذا دخل عليه داخلٌ نام على فراشه ، و كان عمل الربيع ابن خثيم كله سراً ، و لربما دخل عليه رجل و قد نشر المصحف يقرأ به ، فيغطيه بثوبه لألا يراه .

و ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يقول : إذا أصبحتم صياماً فأصبحوا مدهنين ، و هذا داود ابن أبي هند صام أربعين سنة لم يعلم به أهله ، كان يعمل طوال النهار خرازاً ، يخرج وقد حمل معه غدائه يتظاهر أمام اهله أنّه لم يصم ، يأخذ غدائه فيخرج من بيته ثم يتصدق به في الطريق ، و يرجع عشياً فيأكل مع أهله و يظنون أنّه مفطر .

و هذا حسان ابن أبي سنان ، تقول امرأته : كان يدخل معي في فراشي فيخادعني كما تخادع المرأة صبيها ، كيف تنوم المرأة صبيها ؟ تتظاهر بالنوم عنده فإذا نام استلت و قامت ، فتقول امرأته : كان يخادعني كما تخادع المرأة صبيها ، فإذا نمت انسل من فراشه و خرج يصلي .


و كان أناس من أهل المدينة فقراء و أرامل و أيتام ، إذا خرجوا في الصباح وجدو الأقوات و الأرزاق على أبوابهم ، و لا يعرفون من يحضر ذلك لهم ، فلما مات علي بن حسين زين العابدين وجدوا آثاراً من سوادٍ في ظهره عند تغسيله ، و لما سألوا عن ذلك سألوا أهله ، قالوا : كان يحمل الجرب من الطعام على ظهره ، لا يطلب من خادم و لا أحد لئلا يطلع عليه أحد ، و يضع ذلك بنفسه في الليل في الظلمة عند أبواب هؤلاء الفقراء ، فلما مات انقطع عن أولئك الأرامل و الأيتام و الفقراء ما كانوا يجدونه ، ففقدوا صدقة السر بموت علي بن الحسين رحمه الله تعالى .


و هذا ابن المبارك كان يتردد على فرشوش للمرابطة في سبيل الله عز وجل ، و كان يتردد عليه إذا قدم لتلك الناحية ، يتردد عليه شابٌ يخدمه و يقرأ عليه الحديث و يتعلم منه ، فقدم مرةً فلم يرى هذا الشاب ، فسأل عنه ،

فقالوا : إنّه في الحبس بسبب ديناً قد ركبه ، فسأل عن دينه : فقيل عشرة آلاف درهم ، فسار يتحرى و يتلمس و يسأل حتى وجد صاحب الدين ، فأعطاه ليلاً كل ما له من مال ، و قال : إذا أصبحت فاعمد إلى السجن و اخرج ذلك الشاب ، ثم استحلفه ألا يُخبر أحداً ما دام ابن المبارك حياً .

و كان في الغزو والجهاد يضع اللثام على وجهه ، و تعرفون خبره حين قتل علجاً من العلوج ، بعدما قتل ذلك العلج طائفةً من المسلمين ، فلما قتله عبد الله ابن المبارك تلثم و أخفى نفسه لئلا يراه أحد كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى .

مقالات مرتبطة بـ الخامس مما يعين علي الإخلاص و دفع أضداده : إخفاء العمل