الثالث مما يقوي علي الإخلاص و علي دفع الرياء :

الشيخ / خالد بن عثمان السبت


أن يعرف العبد هذه العلل ، أن يعرف الرياء و يعرف حقيقته و يعرف السمعة ، و يتحرز من ذلك ؛ فإنّ العبد مطالب بمعرفة عدوه ، و معرفة الأدواء التي تتسلل إلى نفسه و لربما من غير شعورٍ منه ، النبي صلى الله عليه و سلم يحذرنا و يقول :

" يا أيها الناس إياكم و شرك السرائر "

، ثم يبين ذلك فيقول : " يقوم الرجل فيصلي و يزين صلاته لنظر الناس إليه ، فذلك شرك السرائر " .


كم من إنسان تنطلي عليه هذه القضية و يظن أنّه يتعبد لله و هو يتعبد لغير الله .

النبي صلى الله عليه و سلم يعلم أصحابه أنّ هذا من الشرك ، و قد قال يعلى بن شداد فيما رواه عن أبيه ، أنّه قال : كنا نعد الرياء في زمن النبي صلى الله عليه و سلم الشرك الأصغر ، فالمسألة ليست قضيةَ سهلة ، فهذا شرك ، و جنس الشرك أعظم من جنس الكبائر ، و العبد إذا أراد أن يتخلص فعليه أن يُخلص قلبه من هذا الإشراك ، و ربما عمل العبد معصية ظاهرة ، فتكون أخف و أسهل في ميزان العبد من صلاة في ليل طويل يتزين بها أمام المخلوقين ، و من صيام في يوم طويل شديد الحر يتزين به أمام المخلوقين .


خرج النبي صلى الله عليه و سلم يوماً على أصحابه و هم يتذاكرون الدجال ، فقال لهم :

ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال ؟ فقلنا : بلى يا رسول الله ، فقال : الشرك الخفي ، أن يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل .

يخافه النبي صلى الله عليه و سلم على أمته أعظم مما يخاف الدجال عليهم ، و هذا يدل على عِظمه من جهة ، و دقته حيث يخفي عن الكثيرين من جهة ثانية ، و أيضاً لأن النفوس قد أُشربت حب المحمدة فيصعب تخليصها من ذلك ، فهو أمرٌ يكاد أن يكون لازماً لها و كامناً فيها ، كما تكون النار كامنة في الزناد ، العبد ينبغي عليه أن يتظفر في نفسه و في من حوله ، و أن يكون شغله في إصلاح قلبه قبل كل شيء ، العبد قد يرائي بأمورِ لا يتفطن لها كثيراً من الناس ، و لكنّ رب الناس يعلمها و يعلم ما تكنه صدور هؤلاء الذين يراؤون غيرهم .


قد يرائي العبد بالنحول ، و قد يرائي بصفرة الوجه ؛ ليوهم الناس أنّه مجدٌ مجتهد في عبادة الله عز وجل ، قد يرائي العبد بإظهار الإشفاق و الحزن و الخوف من الله عز وجل ، قد يرائي العبد بضعف الصوت و غور العينين و ذبول الشفتين ليستدل الناس بذلك أنّه صائم مثلاً ، و قد يحرص العبد على إبراز أثر السجود إما يضغط بجبهته على الأرض ضغطاً زائداً ليظهر ذلك في وجهه ، أو إذا كان له أثرٌ للسجود في وجهه فربما رفع ما على رأسه من أجل ان يبدو ذلك للناس ، فهذه أمور تخفى على الناس و الله عز وجل لا يخفى عليه شيء .


و قد يرائي العبد بتزيين القول و تحسينه و تنميقه و تسكيعه من أجل أن يحوز على رضا الناس و على إعجابهم ، و قد يرائي العبد بالدمعة و بالعبرة و بالبكاء في مجامع الناس ، الذي يصلي بالناس و يتكلف البكاء أو يتكلف النشيج ، أين هذا من بعض السلف كأيوب السختياني كان ينشج نشيجاً لو أُعطي الدنيا لم يفعل أن يفعله أمام الناس ، لم يفعله ، فتصنع البكاء في الصلاة إنّما يكون حينما يغلق الإنسان عليه بابه و لا يطلع عليه أحد ، أما أن يتكلف الإنسان ذلك في جموع المصلين فهذا أمر لا يسوغ ، و أما من غلبه البكاء فهذا شأن آخر ، و السلف رضي الله تعالى عنهم كانوا يدارون العبرة و يدارون البكاء و يخفونه عن الناس كما سيأتي ، و قد يرائي العبد بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، و يُخذل أحوج ما يكون إلى الإعانة كما ذكر ذلك بعض أهل العلم ، قد يقوم قياماً ينكر فيه بعض المنكرات و لكنّ نيته ملوثة ، فيُسلط عليه من يؤذيه و من يذله و من يوصل إليه ألوان المكروهات بسبب سوء قصده ، و هكذا يكون الرياء في صورٍ كثيرة ، كالذي يظهر الأسف على حال الناس و انحرافهم ، أو الذي يُظهر الزهد في الدنيا ، هذه أمور قد يفعلها من يحترق قلبه على الخلق محبةً للخير لهم و لقوة إخلاصه و تقواه ، و قد يفعلها إنسان يريد بها معنىً رديئاً دنيئاً ، و الله هو الذي يعلم وحده ما في القلوب ،



يقول ابن القيم رحمه الله : " فالخالص أن يكون لله و الصواب أن يكون على السُنّة " ، ثم ذكر الآية :

( فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا )

، قال : " فهذا هو العمل المقبول الذي لا يقبل الله من الأعمال سواه ، و هو أن يكون موافقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، مراداً به وجه الله ، و لا يتمكن العامل من الإتيان بعملٍ يجمع هذين الوصفين إلا بالعلم ، فإنّه إن لم يعلم ما جاء به الرسول لن يمكنه قصده ، و إن لم يعرف معبوده لم يمكنه إرادته وحده ، فلولا العلم لما كان عمله مقبولاً ، فالعلم هو الدليل على الإخلاص ، و هو الدليل على المتابعة ،

و قد قال تعالى : ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) ،

و أحسن ما قيل في تفسير الآية : أنّه إنما يتقبل عملَ من أتقاه في ذلك العمل ، و تقواه فيه هو أن يكون لوجهه على موافقة أمره ، و هذا إنّما يحصل بالعلم ، فإذا كان هذا منزلة العلم و موقعه ، علم أنّه أشرف شيءٍ و أجله و أفضله ، و هذا يعني أن الإنسان يحتاج إلى علم و إلى بصر ، ليعرف بذلك كيف يتخلص من الرياء و الشوائب التي تشوب العمل ، و كيف يتوجه إلى ربه و مولاه

فيُخلص سائر الأعمال إليه .

مقالات مرتبطة بـ الثالث مما يقوي علي الإخلاص و علي دفع الرياء :