التوكل

محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

 

المثال الرابع: التوكل، قال أبو العباس: "هو للعوام أيضاً، لأنه وكل أمرك إلى مولاك والتجاؤك إلى علمه ومعرفته لتدبير أَمرك وكفاك همك، وهذا فى طريق الخواص عمى عن الكفاية به ورجوع إلى الأسباب، لأنك رفضت الأسباب ووقفت مع التوكل فصار بدلاً عن تلك الأسباب، فإنك معلق بما [رفضته] من حيث معتقدك الانفصال. وحقيقة التوكل عند القوم التوكل فى تخليص القلب من علة التوكل وهو أن يعلم أن الله [تعالى] لم يترك أمراً مهملاً بل فرغ من الأشياء وقدرها، وإن اختلف منها   شيء فى العقول أو تشوش فى المحسوس أو اضطراب فى المعهود فهو المدبر له، وشأنه سوق المقادير إلى المواقيت، والمتوكل من أراح نفسه من كل النظر فى مطالعة السبب سكوناً إلى ما سبق من القسمة مع استواءِ الحالين عنده وهو أن يعلم أن الطلب لا يجمع والتوكل لا يمنع، ومتى طالع بتوكله عرضاً كان توكله مدخولاً وقصده معلولاً، فإذا خلص من رق هذه الأسباب ولم يلاحظ فى توكله سوى خالص حق الله كفاه الله [تعالى] كل مهم".

 


ثم ذكر حكاية عن موسى صلى الله عليه وسلم أنه فى رعايته نام عن غنمه، فاستيقظ فوجد الذئب واضعاً عصاه على عاتقه يرعاها فعجب من ذلك، فأوحى الله إليه: يا موسى، كن لى كما أُريد، أَكن لك كما تريد.

فيقال: الكلام على هذا من وجوه:

 

 


أحدها: إن جعله التوكل من منازل العوام باطل كما تقدم، بل الخاصة أحوج إليه من العامة، وتوكل الخواص أعظم من توكل العوام. والتوكل مصاحب للصادق من أول قدم يضعه فى الطريق إلى نهايته، وكلما ازداد قربه وقوى سيره ازداد توكله. فالتوكل مركب السائر الذى لا يتأتى له السير إلا به، ومتى نزل عنه انقطع لوقته، وهو من لوازم الإيمان ومقتضياته، قال الله تعالى: {وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23]، فجعل التوكل شرطاً فى الإيمان، فدل على انتفاءِ الإيمان عند انتفاء التوكل، وفى الآية الأُخرى: {وَقَال مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنْتُمْ مُسْلِمِين} [يونس: 84] فجعل دليل صحة الإسلام التوكل، وقال تعالى: {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122، 160] [المائدة: 11] [التوبة: 51] [إبراهيم: 11] [المجادلة: 10] [التغابن: 13]، فذكر اسم الإيمان هاهنا دون سائر أسمائهم دليل على استدعاءِ الإيمان للتوكل، وإن قوة التوكل وضعفه بحسب قوة الإيمان وضعفه، وكلما قوى إيمان العبد كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفاً، فهو دليل على ضعف الإيمان ولا بد، والله تعالى يجمع بين التوكل والعبادة وبين التوكل والإيمان، وبين التوكل والإسلام، وبين التوكل والتقوى، وبين التوكل والهداية.

فأما التوكل والعبادة، فقد جمع [سبحانه] بينهما فى سبعة مواضع من كتابه، أحدها: فى سورة أُم القرآن فقال [تعالى]: {إِيَاكَ نَعْبُدُ وَإِيَاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5]،

 

والثانى: قوله حكاية عن شعيب أنه قال: {وَمَا تَوْفِيقِى إِلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88]،

 

الثالث: قوله حكاية عن أوليائه وعبادة المؤمنين أنهم قالوا: {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4]،

 

الرابع: قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً  رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذُهُ وَكِيلاً} [المزمل:8-9]،

 

الخامس: قوله: {وَللهِ غَيْبُ السَّمَّوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلِ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود: 123]،

 

السادس: قوله: {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج: 78]،

 

السابع: قوله: {قُلْ هُوَ رَبِّى لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْه مَتَابِ} [الرعد: 30].

فهذه السبعة مواضع جمعت الأصلين: التوكل وهو الوسيلة والإنابة وهى الغاية، فإن العبد لا بد له من غاية مطلوبة، ووسيلة موصلة إلى تلك الغاية فأَشرف غاياته التى لا غاية له أجل منها عبادة ربه، والإنابة إليه. وأعظم وسائله التى لا وسيلة له غيرها البتة التوكل على الله والاستعانة به، ولا سبيل له إلى هذه الغاية إلا بهذه الوسيلة، فهذه أشرف الغايات، وتلك أشرف الوسائل، وأما الجمع بين الإيمان والتوكل، ففى مثل قوله تعالى: {قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} [الملك: 29]، ونظيره قوله: {وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِين} [المائدة: 23]، وقوله تعالى: {وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122، 160] [المائدة: 11] [التوبة: 51] [إبراهيم: 11] [المجادلة: 10] [التغابن: 13].

وأما الجمع بين التوكل والإسلام ففى قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُسْلِمِينَ} [يونس: 84].

 

مقالات مرتبطة بـ التوكل

  • التوكل رحمة

    عبد العزيز الطريفي

    التوكل على الله رحمة و لو لم يحقق الله للإنسان مراده ، فكم من غاية يتعب الإنسان في الوصول إليها و فيها شقاؤه ،

    28/12/2018 422
  • حقيقة التوكل على الله عز وجل

    الشيخ أبو إسحاق الحويني

    التوكل على الله عز وجل ليس معناه خلع الأسباب، وفي صحيح ابن حبان من حديث عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه وأخرجه

    12/09/2013 5256
  • جملة التوكل تفويض الأمر

    الإمام أحمد بن حنبل

    قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله : " و جملة التوكل تفويض الأمر إلى الله جل ثناؤه ، و الثقة به "

    29/12/2017 1837