التأصيل الفقهي لسيماء الصورة في الإسلام

التأصيل الفقهي لسيماء الصورة في الإسلام

د. فريد الأنصاري
يكون الجلباب هو الثوب الواسع الذي تستر به المرأة جميع جسمها، وترخيه على كل بدنها. وقد كان الجلباب في زمان النبيe عبارة عن رداء أو ملحفة، أو إزار تلتحف به المرأة

ونظرا لعمق الدلالة السيميائية للباس المرأة في الإسلام، وارتباطه بماهيتها الإنسانية كما بينا؛ فقد جاء تشريع أحكامه فريضة في القرآن نفسه. ولم يترك ذلك لتشريع السنة فقط، أو تشريع الاجتهاد فقط، على الرغم مما للسنة ثم للاجتهاد من قيمة تشريعية في الإسلام. لقد تولى الله جل جلاله بذاته إنزال حكم لباس المرأة من فوق سبع سماوات! وفي ذلك ما فيه من قوة تشريعية، وحجية إلزامية ليس فوقها قوة!

إن ورود أحكام اللباس مبينة في القرآن العظيم نفسه له أكثر من معنى! إنه حكم إلهي مباشر، صدر من أعلى سلطة في هذا الوجود: الله رب العالمين، خالق الأكوان أجمعين، القاهر فوق عباده!

ولقد بينا في كتابنا البيان الدعوي قاعدة مراتب التشريع في الإسلام، وما للتشريع القرآني من قصد إلزامي بهذا المعنى. فليس الحكم الذي ذكره الله في القرآن نصا؛ كالحكم الذي لم يرد إلا في السنة، أو لم يرد بعد ذلك إلا في استنباطات الفقهاء. وليس معنى هذا التنقيص من القيمة التشريعية للسنة كلا! وإنما المقصود تمييز التشريع القرآني بما هو أهله. فإنما ذلك كلام الله المباشر. وتلك حقيقة وجودية من أعظم الحقائق وأثقلها. قال عز وجل:

(إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا!)(المزمل: 5).

ونورد ههنا خلاصة لمعنى قاعدة مراتب التشريع، على ما أصلناه في موضعه مفصلا بأدلته: (ومفادها أن ما كان من أصول الدين الاعتقادية أو العملية، إنما يكون أصل تشريعه في القرآن. ولا يترك منه للسنة إلا ما كان من قبيل البيان والتفصيل، من توضيح الهيآت وبيان الكيفيات. وذلك شأن الإيمان بالله واليوم الآخر، والصلاة والصيام والزكاة والحج؛ من الواجبات، وكذا شأن الربا، والخمر، والميسر، والزنا، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب؛ من المحرمات، ونحو هذا وذاك.

فقد ورد تشريع كل ذلك في القرآن أساسا. من مثل قوله تعالى في الواجبات:

(وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)(البقرة:109)

، وقوله:

(كُتِبَ عَلَيْكُم الصِّيام)(البقرة:182)

، وقوله:

(ولله على الناس حَجُّ البيت)(آل عمران:97)

، ونحو قوله سبحانه في المحرمات:

(وذروا ما بقي من الربا)(البقرة:277)

،

(وأحل الله البيع وحرم الربا)(البقرة:274)

، وقوله تعالى:

(إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون)(المائدة:92)

، وقوله:

(ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا)(الإسراء:32)

، وقوله:

(إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله)(البقرة: 172)

. إلى غير ذلك من أصول الواجبات والمحرمات في الدين. فإن الله تعالى إنما أنزل كتابه ليكون أصل التشريع الأول بلا منازع، قال تعالى:

(ما فرطنا في الكتاب من شيء)(الأنعام:39)

، أي من أصول التشريع وكليات الأحكام. فلا حكم شرعي مما هو مقصود أصالة من الدين إلا وأصله التشريعي في القرآن.

فلا ينبغي أن يعتقد بناء على هذا؛ أن بعض الأصول الدينية التشريعية قد أهملت من القرآن؛ لتتولى السنة تشريعها. فهذا مما يخالف قصد الشارع، وطبيعة التشريع الإسلامي، وقواعده الكلية الاستقرائية. فإنما شأن السنة في مثل هذه الأمور بيان الهيآت التنزيلية والكيفيات التطبيقية، من مثل قوله عليه الصلاة والسلام:

(صلوا كما رأيتموني أصلي)(، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع... إلخ الحديث)

(َّينe مقادير الزكاة وأنصبتها، وكيفية الصيام، وقال في الحج وهو يحج بالمسلمين في حجة الوداع:

(يا أيها الناس خذوا عني مناسككم)

(

وعليه؛ فإنه لا يترك للسنة من التشريع إلا ما كان بمنزلة الفروع والجزئيات، لا الأصول والكليات. فإذا وجدت من السنة ما هو كذلك ـ ولم يكن بيانا تطبيقيا ولا تفصيليا ـ فإنك تجده من قبيل تأكيد التشريع لا تأسيس التشريع! فلا حكم من الكليات التشريعية إلا وتجد في كتاب الله أصله الأول. دل على ذلك الاستقراء التام لأصول الشريعة وفروعها. وذلك كأحاديث إيجاب الصلاة والزكاة والصيام والحج بالسنة، فإنما هو من قبيل التأكيد، لا التأسيس.

وأما ما تفردت السنة بتشريعه تأسيسا، من الواجبات والمحرمات، فإنه لا يكون من الأصول والكليات، وإنما هو من الفروع والجزئيات، بالنسبة إلى ما ورد في القرآن من التشريع. كأحاديث النهي عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وذوات السموم، ونحو ذلك.

إذن؛ فالأصل في المقصود أصالة من الشريعة أن يكون منصوصا عليه في الكتاب. وهذه هي المرتبة الأولى من التشريع. وذلك حق أمهات الفضائل وأمهات الرذائل، من الواجبات والمحرمات جميعا. وإنما للسنة المرتبة الثانية، فما اقتصر على تشريعه فيها - ولم يكن من قبيل البيان والتفصيل - كان إيجابه أو تحريمه بها من الدرجة الثانية، بالنسبة إلى ما أوجبه الله أو حرمه بالقرآن. ومن أخطأ هذه القاعدة الأصولية الجليلة فاته كثير من فقه الدين!)(

في هذا السياق إذن يأتي حكم لباس المرأة في القرآن. ويصدر الرحمن أمره العظيم إلى رسوله الكريمe، في سورتين اثنتين من القرآن، فيقول جل وعلا في سورة الأحزاب:

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا)(الأحزاب:59).

ويقول سبحانه وجل شأنه في سورة النور:

(وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ. وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا. وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ. وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء. وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ. وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(النور:30-31).

لقد ورد هذا الخطاب القرآني المشكل لسيماء الصورة، يحمل ضوابط رفيعة للرقي بالمرأة إلى وظيفتها الإنسانية الحقيقية. فجعل لها علامات، باعتبار أن العلامات هي وسيلة التعبير الأخطر في حياة الإنسان، والأكثر تأثيرا في توريث القيم، وتصديرها أو استيرادها.

فأما آية سورة الأحزاب فقد ألزمت المؤمنات جميعا بارتداء الجلباب وإدنائه. والمقصود بالجلباب: ما ترتديه المرأة فوق ثيابها؛ لتخرج به، فيستر جميع بدنها. سواء كان إزارا أو رداء، أو ملحفة. جاء في كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير قوله: (الجِلْبَابُ: الإزَارُ والرّدَاء. وقيل: المِلْحَفَة. وقيل: هو كالمِقْنَعَة تُغَطّي به المرأة رأسها وظَهْرَها وصدرَها، وَجَمْعُه: جَلاَبيبُ)(والجلابيب: القُمُصُ والخُمُر، الواحد: جلباب)([6]).

وجاء في لسان العرب: (والجِلْبابُ: القَمِيصُ. والجِلْبابُ: ثوب أَوسَعُ من الخِمار، دون الرِّداءِ، تُغَطِّي به المرأَةُ رأْسَها وصَدْرَها؛ وقيل: هو ثوب واسِع، دون المِلْحَفةِ، تَلْبَسه المرأَةُ؛ وقيل: هو المِلْحفةُ (...) وقيل: هو ما تُغَطِّي به المرأَةُ الثيابَ من فَوقُ كالمِلْحَفةِ؛ وقيل: هو الخِمارُ. وفي حديث أُم عطيةَ: "لِتُلْبِسْها صاحِبَتُها من جِلْبابِها" أَي إِزارها (...) وقيل: جِلْبابُ المرأَةِ مُلاءَتُها التي تَشْتَمِلُ بها، واحدها جِلْبابٌ، والجماعة جَلابِيبُ، وقد تَجلْبَبَتْ)(وقال في القاموس: (الجلباب: (...) القميص، وثوب واسع للمرأة دون الملحفة، أو ما يغطي به ثيابها من فوق كالملحفة)([8]).

وبناء على هذه النصوص يكون الجلباب هو الثوب الواسع الذي تستر به المرأة جميع جسمها، وترخيه على كل بدنها. وقد كان الجلباب في زمان النبيe عبارة عن رداء أو ملحفة، أو إزار تلتحف به المرأة، وهو أشبه بما تفعله اليوم النساء في واحات سجلماسة بتافيلالت بالمغرب الأقصى من التلفع بالإزار. ذلك هو الجلباب، دل عليه حديث النبيe للمرأة التي سألت عن الخروج لصلاة العيد: (هل على إحدانا بأس إن لم يكن لها جلباب أن لا تخرج؟ فقالe: لِتُلْبِسْهَا صاحبتُها من جلبابها!)( فلا يمكن أن يكون ذلك ممكنا إلا إذا كان الجلباب يتسع لامرأتين، ولا يكون كذلك إلا إذا كان إزارا، أو رداء صالحا للاشتمال. ويؤخذ منه أيضا أنه ثوب غير الثوب الذي تلبسه المرأة لِخاصَّةِ أمرها وبيتها. لكن يقاس عليه كل لباس ستر البدن كله، من قميص فضفاض، أو جلباب مغربي فيه سعة، أو نحو ذلك مما يلف جسم المرأة ويكفيه إحاطةً وسترا.



 رواه البخاري


 متفق عليه


 رواه مسلم والبيهقي واللفظ له.


 ن. الفصل الثاني من كتابنا البيان الدعوي


 النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، المجلد الأول: حرف الجيم، باب الجيم مع اللام.


 المفردات: مادة: (جلب)


 اللسان: (مادة: جلب)


 القاموس: (مادة جلب).


وتمام قصته: ما رواه الشيخان وغيرهما عن حفصة بنت سيرين، أن امرأة سألت النبيe (فقالت هل على إحدانا بأس إن لم يكن لها جلباب أن لا تخرج؟ [تعني لصلاة العيد] قال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها!  ولتشهد الخير ودعوة المؤمنين! قالت حفصة: فلما قدمت أم عطية رضي الله عنها سألنها أو قالت: سألناها؛ فقالت: وكانت لا تذكر رسول اللهe إلا قالت: بأبي! فقلنا: أسمعت رسول اللهe يقول كذا وكذا؟ قالت: نعم بأبي! فقالe: لتخرجِ العواتقُ ذواتُ الخدور، أو العواتقُ وَذواتُ الخدور، والحُيَّضُ؛ فيشهدن الخير ودعوة المسلمين! ويعتزل الحيض المصلى. فقلت: آلحائض؟ فقالت: أوَ ليس تشهدُ عرفةَ، وتشهد كذا، وتشهد كذا) متفق عليه.


السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ التأصيل الفقهي لسيماء الصورة في الإسلام

  • الخصائص العامة للحجاب الشرعي

    د. فريد الأنصاري

    وإنما الخصائص العامة للباس الشرعي لدى الأنثى تتمثل فيما سبق بيانه سيميائيا وفقهيا، مفصلا بكل مباحث هذا الكتاب، وخاصة بهذا المبحث الأخير: (التأصيل الفقهي لسيماء

    05/02/2019 222
  • الحجاب العاري

    د. فريد الأنصاري

    إن الفتاة التي احتجبت حقا وصدقا، لا تفتنها إغواءات الشيطان، وإغراءات الموضات المتدفقة بالفتن! فلا ترتد على أدبارها لتتحايل على حجابها، بالتشكيل والتجميل؛ مما يف

    13/01/2019 293
  • نحو حركة تصحيحية في مجال المرأة

    د. فريد الأنصاري

    إنني أدعو إلى حركة تصحيحية في مجال المرأة – كما في غيره من المجالات – حركة تنفي عنها تحريف الغَالِين، وانتحال المُبْطِلين، وتأويل الجاهلين! وترتقي بنموذج التدين

    19/01/2019 175