البلاغ الرابع في اكتشاف الصلوات وحفظ الأوقات

البلاغ الرابع في اكتشاف الصلوات وحفظ الأوقات

الشيخ / فريد الأنصاري

لو أدرك المسلمون اليوم ما معنى (الصلاة)؟ ما تركها واحد منهم، إلا من أصرعلى ضلاله وعماه، أوكز على كفره وزندقته!

تبصرة:

أما أنت يا صاحِ فاعلم أن السير إلى الله من غير مسلك الصلاة ضرب في التيه!

كل أعمالك في الجهاد، والدعوة إلى الله، وما تستكثره من حركات وسياسات؛ راجعة إلى مدى سلامة هذا الأصل عندك؛ قصداً، ووقتاً؛ وأداء، وإلا فعلى دينك السلام

{كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ }

[النور: 39].

إنك لن تذوق ما الإيمان وما الإسلام؛ حتى ترحل إلى الصلاة: تكتشف أسرارها، الممتدة إلى بحر الغيب المطلق، فترى عجباً.. ذلك هو البلاغ الرابع من بلاغات الرسالة القرآنية، فهي نتيجة فعلية لكل من تلا القرآن حق تلاوته، إنها أول ما يبادر إليه المحب أول ما يتذوق معنى المحبة؛ إذ يتعرف على جمال الله من خلال القرآن الكريم؛ ومن هنا أمره عز وجل بالصلاة؛ مباشرة بعد أمره تعالى بالتلاوة، على سبيل العطف المباشر، المشعر بالتساوي بين الفعلين، مما يوحي بانعدام الفرق الزمني بينهما؛ لما بين الاستجابتين من ارتباط وثيق، إن من تعرف على القرآن الكريم حقّاً لا يملك إلا أن يصلي،

قال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ  أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}

[العنكبوت: 45].

ومن هنا كان أول عمل من العبادات قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم – بعد الإيمان بالله وتوحيده – هو الصلاة، وهي أول عمل تعلمه من تطبيقات القرآن، وهذا أمر مهم جدّاً في معرفة ما يبتدأ به من أمر البلاغ. قال عليه الصلاة والسلام: "أتاني جبريل في أول ما أوحي إلي فعلمني الوضوء، فلما فرغ من الوضوء أخذ من الماء فنضح بها فرجه". ذلك أول العمل، كما هو ظاهر هذا الخطاب: (في أول ما أوحي إلي)، الوضوء والصلاة، ولهذا دلالة كبرى في معرفة البدايات والأصول العمليات، ولم يزل ذلك مرافقاً لعمل الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يزداد مع الأيام إلا ترسخاً في الدين، وما تنزل القرآن بعده إلا بما يؤكد أنه أساس الغايات، ومنتهى العبادات.

وتأمل كيف أن الله جل جلاله أفرد (إقام الصلاة) بالذكر – في بناء المنهج الإصلاحي – بعد ذكر التمسيك بالكتاب، مع أن الصلاة فرع عن التمسيك بالكتاب، وداخلة في معناه، فلولا أنها أساس، وأم من أمهات البلاغ القرآني، ومنطلق من منطلقات الصلاح والإصلاح؛ لما كان لها ذلك التفريد الفريد،

قال عز من قائل: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ}

[الأعراف:170].

إن العلماء يجمعون على أن الوظيفة الوحيدة للإنسان في الكون هي عبادة الله، فكل حظوظه الدنيوية إنما هي منجرة بالتبع مع أصل العبادة، وإنما أتيح له أن ينال من حظه ما يعينه على وظيفته الأساس، وأصل ذلك ومستنده قوله تعالى:

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}

[الذاريات: 56]

. إن خلاصة دين الإسلام عقيدةً وشريعةً، هي إخلاص العبادة لله الواحد القهار، والصلاة منه هي مفتاح كل شعيرة من شعائره، روحاً، وغايتها، زكاةً، وصياماً، وحجاً، وجهاداً.. إلى آخر ما تفرع عن هذه وتلك من سائر أعمال البر، ولذلك كانت الصلوات الخمس – بعد الشهادتين – هي العنوان الجامع المانع لكل أعمال الإسلام. إذ كان ما سواها داخل في معناها. وليس عبثاً أن يعتبرها الرسول خير أعمال المسلم

، قال صلى الله عليه وسلم: "سددوا وقاربوا" وفي رواية: "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن".

ولقد فصلنا هذا في غير المكان من كتبنا، لكنا نقتصر هاهنا على ما يفيد السياق. لقد جعل الله الصلاة هي آية المسلم، والعلامة الجميلة التي تميزه في مسيرة التاريخ النبوي، فهي الفصل الذي لا يعرف إلا به، والنور الذي لا يمشي إلا به،

قال عز وجل: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}

[الفتح: 29]

وإنما اكتسبوا صِفَتَيْهم الأوليين: الجهادية:

{ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ}،

والخلقية:

{رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}؛

من كونهم رهباناً بالليل، أي قوله:

{تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً}

[الفتح: 29] الآية

؛ لأن ذلك هو المعين الصافي الذي يتزود منه المسلم الصادق المجاهد الداعية إلى الله؛ بصدق التوجه والسير، من حيث إن قوله تعالى:

{تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً}

[الفتح: 29]،

فيه إشارة إلى أن ذلك هو دأبهم وحالهم المستمر في حركتهم التعبدية؛ إذ التعبير باسم الفاعل جمعا :

{رُكَّعاً سُجَّداً}،

في سياق الفعل المضارع: {تَرَاهُمْ}؛ يوحي بصورة حية لقافلة المؤمنين، وهم منخرطون في حركة الصلاة المتواترة، من غير فتور أو انقطاع، سيراً مستمراً حتى كان ذلك صفة ثابتة لهم حيثما تراهم،

{تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً}

. ولذلك كان تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في حياة المسلم التعبدية بالنهر الجاري،

قال: "أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من دَرَنِه شيء؟ قالوا لا يبقى من دَرَنِه شيء. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس؛ يمحو الله بهن الخطايا".

إن الإسلام في نهاية المطاف هو الصلاة بالمعنى الذي سبق بيانه؛ وعلى هذا الوزان تُقَوّم أعماله كلها يوم القيامة، وعلى ذلك يتحدد مصيره الأخير..! قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الحاكم الحاسم: "إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة! فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت خاب وخسر! وإن انتقص من فريضته قال الرب: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة؟ ثم يكون سائر عمله على ذلك". وأوضح من هذا دلالة على ما نحن فيه قوله صلى الله عليه وسلم: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة! فإن صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله" فليس عبثاً إذن أن قدم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في مراتب أعمال ابن آدم، على سبيل ترتيب الأولويات:

(أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله)

، إن الأمر جد فتدبر! ثم أبصر! وما بقي لمسلم تَرَك الصلاةَ من إيمانه إلا ما لا يخلده في النار لا ما ينقذه منها بإطلاق، قال: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" ، وقال أيضاً: "بين الكفر والإيمان ترك الصلاة"،

ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس بين العبد والشرك إلا ترك الصلاة فإذا تركها فقد أشرك"،

وهذه الأحاديث وما في معناها تقتضي أن المسلم التارك لصلاته قد شابه الكفار في صفاتهم، فكفر عملاً وإن سلم عقيدة؛ لأن المسلم إنما يتميز بصفة الصلاة التي هي عنوان إسلامه – كما بيناه قبل – فمن فَقَدَ عنوانه فَقَدَ هويته.  ولنعد إلى جمال القرآن الكريم، ذلك أن الله تعالى إذ يصف فلاح المؤمنين، يذكر الصلاة باعتبارها أول وسام نوري – بعد الإيمان – يشع من قلوبهم، وهو أمر يكاد يكون مطرداً في كل آي القرآن العظيم،

يقول المولى الكريم في أول سورة البقرة: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون}

[البقرة: 1- 3]

، ومن أجمل ما ورد في ذلك فاتحة سورة (المؤمنون)، إذ جعل الله أول صفاتهم الخشوع في الصلاة، وآخرها المحافظة على الصلاة، وكل أعمال الصلاح من فعل الخيرات وترك المنكرات؛ جعلها فيما بينهما، فاقرأ وتدبر.. واحفظها واحدة واحدة:

{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}       

  [المؤمنون: 1-11].

فالخير كله فاتحته الصلاة، والخير كله خاتمة الصلاة، والخير كله غايته الصلاة، والخير كله وسيلته الصلاة.

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ البلاغ الرابع في اكتشاف الصلوات وحفظ الأوقات

  • لماذا أخفاها الله – عز وجل-

    فريق عمل الموقع

    قال فريق من العلماء: هي صلاة أخفاها الله تعالى لفضيلة خاصة تتحرك بين الصلوات حرص الله تعالى على إخفائها حتى

    13/03/2018 671
  • البلاغ الأول في اكتشاف القرآن تدبراً وتفكراً

    الشيخ / فريــد الأنصاري

    لا سبيل إلى معرفة الحقيقة إلا عبر هذا القرآن أولاً، ولا يكون ما دونه من طرق المعرفة إلا توابع له وملاحق، فهو متن

    05/12/2018 186
  • تبليغ الرسالات

    الشيخ / فريد الأنصاري

    تبصرة: وأما المفتاح الثالث فهو تبليغ الرسالات: وتبصرة هذا المفتاح هو: جواب (كيف البلاغ؟) أما تأصيله فقد سبق

    02/01/2019 148