الإشراق الثالث: في جمالية العباد - المشهد الأول: في جمالية (الانتساب) التعبدي- الجزء الثاني

فريد الأنصاري

 

ذلك أن الطريقة الغالبة في السؤال والجواب في القرآن – كما قرره علماء القرآن – أن يجيب الله عز وجل على أسئلة الناس بقوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (قُلْ!)؛ إمعاناً في ترسيخ نبوته، ورسالته إلى الناس، معلماً ومربياً ورسولاً! وتلك خلاصة (عقيدة الاتباع) في شهادة: (أن محمداً رسول الله)، وهو أغلب أسلوب القرآن في هذا الشأن.

وذلك نحو قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}

(البقرة: 189)

وقوله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ}

(البقرة: 217)

وقوله أيضا: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}

(البقرة: 219)

وفي الآية نفسها قوله سبحانه:

{وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ}

،

وكذا قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ}

(البقرة: 220)

ومثله:

{وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى}

(البقرة: 222)

ثم قوله:

{يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ}

(الأنفال: 1)

وقوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِن أَمْرِ رَبِّي}

(الإسراء: 85)

وقوله: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ}

(الأحزاب: 63)

.. ونحو ذلك كثير جداً، فلا داعي للإطالة.

 

وإنما المهم عندنا هنا أن خلو هذه الآية: (وإذا سألك عبادي عني..) من لفظ (قُلْ) يدل على خصوص السؤال الآتي من (العباد)، ذلك بأنهم هنا يسألون عن (معبودهم) لا عن كيف يعملون في أمور الدين! إذ أن قضايا الشريعة والأحكام هي شأن الرسول الْمُعَلِّم، الذي بُعِثَ ليعلم الناس كيف يعبدون الله. أما هؤلاء فإنهم الآن يسألون عن الله ذاته سبحانه، لا عن كيف يعبدونه! يسألون عن باب معرفته ورضاه! إنه سؤال محبة وشوق ووجدان! فهو مثل ذلك الذي قال الله تعالى فيه، في الحديث القدسي: (ذلك بيني وبين عبدي.. ولعبدي ما سألة!)

 

إذن فالقضية (عبادة)، والعبادة وجدان، لا تصح إلا إذا خلت من كل شريك، ولو كان نبياً! والدين إنما هو إخلاص القلب لله وحده! وهؤلاء إنما سألوا عن مثل هذا! فلا موضع لــ (قُلْ) هذه؛ في هذا السياق! فاعبد ربك تجده أمامك بلا واسطة، ولا حجاب يحجبه عن قلبك المحب المشوق!

{أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ...}

إنه يجيبك أيها العبدُ الداعي ربَّكَ تضرعاً وخفية، وإنما (الدعاء هو العبادة!) كما قال صلى الله عليه وسلم.. هكذا على سبيل الاستغراق والشمول! ولا عبادة حقة إلا خالصة لله. "ذلك بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل".

 

فغالب الخطاب إذن للعباد – بوصفهم عباداً – تبشير وتحبيب مشوق للقلوب إلى ديار الحبيب. قال عز وجل في سياق التبشير:

{فَبَشِّرْ عِبَادِ}

(الزمر: 16)

وقال سبحانه: {ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ}

(الشورى: 23).

 

وإنما يتوب الله – عز وجل – على (العباد)؛ إذ هم الأحبة الذين يتجاوز الرب الكريم عن سيئاتهم مهما كثرت؛ ما داموا هم (العباد)، الذين ذلوا لله وخضعوا له. قال سبحانه:

{ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}

(التوبة: 104)

, وقال سبحانه {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}

(الشورى: 25).

وتوبة (العبد) لحظة فرح عند الله سبحانه، فرح يليق بجمال وجهه، وجلال سلطانه تعالى. وقد بينه الحديث القدسي بياناً جميلاً، فيه من معاني الشوق، والقرب، والتقرب، والتقريب المتبادل بين العبد وربه؛ ما يملأ القلب ببهجة السرور والاحتفال! إنه جمال الرب الذي يبادل (عبده) – وإنما هو عبده – يحبه حُبَّاً أكرم وأعظم، وبتقربه تقريبا أشرف وأحلم!

فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني! والله لله أفْرَحُ بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في الفلاة! ومن تقرب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً! ومن تقرب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعا! وإذا أقبل إليَّ يمشي، أقبلت إليه أهرول!)

فأي جمال هذا وأي بهاء؟ وأي كرم إلهي وأي سناء؟ يهمي على (العبد) – إذ يتوب – بالواردات والمقامات التي لا توصف ولا تفسر إلا أن تذاق! ذلك مقام (العبودية) المحبوب عند الله.

 

ومن أروع التعابير القرآنية في هذا السياق، آية تتدفق كلماتها، بل حروفها؛ بكوثر المحبة الإلهي الفياض! جمالاً يغمر قلوب كل من سماهم الرحمن (عبادي). ولو كانوا حديثي عهد بالضلال البعيد، والتيه الرهيب، وشردوا بعيداً في ظلمات الآثام والذنوب! ثم جاؤوا فقراء يطرقون الباب، وما بأيديهم من حسنات إلا هذه التوبة النصوح!

قال عز وجل: {قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}

(الزمز: 53).

فعلامَ بيأس (العبد) أو يقنط؟ وها الله تعالى يغفر الذنوب جميعاً.. نعم جميعاً! أأنت الذي جئت تطرق باب الله تائباً؟ إذن؛ أنت آمن إن شاء الله! لا نخفك أهوال الذنوب التي تجرها وراءك! ما دمت قد جئت في الوقت المناسب.. ودخلت إلى حضرة الرحمة الإلهية من باب الانتساب إلى الله (عبداً)!

 

نعم، إن (العباد) – وهم عباد السلام – ينعمون عند الله بالأمن والطمأنينة والسلام، سكينة تملأ الوجدان شوقاً إلى لقاء الله.

قال عز وجل: { يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ}

(الزخرف: 68)

إنهم الآمنون المحميون بجواره الحصين في الدنيا والآخرة:

{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}

(الزمر: 36)

بلى! وإن من كفاه الله حماية وحفظاً لهو الآمن حقاً؛ فما له وللخوف أو القلق والضياع؟ ولذلك فقد توعد إبليس اللعين أن يُضِلَّ الناسَ، ويتخذ منهم نصيباً مفروضاً،

فقال له الله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً}  

(الإسراء: 65).

فلك الحمد إلهي.. لك الحمد؛ إذ أكرمت (عبادك) بالحفظ الجليل، والستر الجميل!

 

إن للستر جمال القرب، والتناجي الودود مع الرب الكريم. أخبر النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي، محدثاً عن تجلي الرحمن لعبده يوم القيامة، تجلياً يليق بكماله.. كان ذلك في حديث النجوى، وما أدراك ما النجوى! فعن صفوان بن مُحرز قال:

(قال رجلٌ لابن عمر: كيف سمعتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول: يُدْنى المؤمنُ يوم القيامة من ربه عز وجل؛ حتى يضع عليه كَنَفَهُ! فيقرره بذنوبه فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي رب أعرف! قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، فَيُعْطَى صحيفةَ حسناته. وأما الكفار والمنافقون فينادَى بهم على رؤوس الخلائق: (هؤلاء الذين كذبوا على ربهم!)

 

ذلك حظ المؤمن الذي عاش (عبداً) لله في الدنيا، فكان له الستر الجميل، والقرب الجليل، في الدنيا وفي الآخرة. ذلك المؤمن الذي كان يتلذذ بالنجوى في الدنيا، وكانت له فيها أذواق لا تنقضي حلاوتها أبداَ! وأي ذوق ألذ من خطاب الرحمن للعبد إذ يخشع هذا مصلياً لله، يسكب من إبريق عبوديته كؤوساً من السبحات السافرة في خلوة الصلاة، شراباً من رَوْح رقراقٍ لذةٍ للشاربين! فأي وصف أليق بالمؤمن – حينئذ – وأشرف من وصف (عبدي)؟ ولقد قرر محمد النبي العربي صلى الله عليه وسلم تقريراً في الأسماء فقال: (إن أحب أسمائكم عند الله: عبد الله وعبد الرحمن!)

 

وَي..! وما أفضل من أن يكون المرء مشمولاً بوصف (عباد الله) و (عباد الرحمن)؟.. ألا إنها أوصاف المحبين في الدنيا وفي الجنة معا! فهم هنا يسلكون إلى الله بمسالك عباد الرحمن، خُشَّعاً لله، حلماء، كرماء.. يَسْرُونَ بالليل ويسربون بالنهار، مع قافلة العبَّاد، على طريق الخضرة والنور، على أثر الأنبياء الأصفياء، بعيداً عن مستنقعات الجهل بالله, والخوض في دخان الحرائق المشتعلة بأسواق الفساد:

{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً}

(الفرقان: 63-64).

وللآيات بعدها انسياب الماء المشع برضاء الله، وعطائه الغيداق من كمالات الصفات! كمالات تغري القلب بمواجيد ذات أشواق، وكؤوس ذات أذواق! لا يغنيك بذوقها حق الذوق كأسا كأساً غير المصحف الكريم!

 

ذلك جمالهم في الدنيا، وإنهم في الآخرة بين خمائل الجنان، وعباد الله الأبرار مع الكوثر الفياض، يقدحون عيون الماء بأيديهم؛ تلذذا بمعينه وصفاته العالي:

{إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرا} .  

(الإنسان: 5-6)

فيا لجمال نداء الناس أحدَهم: (يا عبد الله..! ويا عبد الرحمن..!) ويا لجمال نداء الله عبدَه: (عبدي..!) نسبة عالية الانتماء، ترتقي شرفاً في علياء السماء.

 

قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ناثرا من كلام الله العلي سنى قدسياً: - قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل: - فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، - قال الله تعالى: حمدني عبدي! - وإذا قال: الرحمن الرحيم - قال الله تعالى: أثنى علي عبدي! - وإذا قال: مالك يوم الدين؛ - قال الله تعالى: مجدني عبدي! - فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين! - قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل! - فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين! - قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل!).  

قال  كرم هذا، وأي نعماء؟ وأي فيض هذا وأي عطاء؟ فمن يأنف أن يكون (عبدا) لله إذن؛ إلا عديم الذوق متخشب الإحساس؟.. (هذا بيني وبين عبدي.. ولعبدي ما سأل!) أتسمع؟ إنه يخاطبك: (عبدي!) فأنتما هناك يصل (بينكما) وذ التناجي: بيني وبين عبدي)! إنه ود خفي، إنه بينكما.. تذوقه أنت وحدك، هناك في محراب التعبد السَّني، الموصول بواردات السماء! حيث التجلي الجليل يفيض عليك بالنجوى، جمالاً وسلاماً... فهنيئاً لك يا عبد!

 

وما سمى الله أنبياءه الأصفياء – وهم خير العباد – إلا (عِبادا).. فذلك كمال رضاه تعالى عليهم: شرف نسبتهم إليه سبحانه. وما كان منه ذلك إلا في سياق الرضى الواسع البديع! قال تعالى في شأن محمد صلى الله عليه وسلم سيد العابدين:

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}

(الإسراء: 1)

وقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا}

(الكهف: 1)

وكذا قوله:

{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}

(النجم: 10)

. ولقد وصف الرسولُ عليه الصلاة والسلام نفسَه بأنه (عبد)؛ فقال معلماً أصحابه، ما يجب أن يعرفوه من منزلته: ( لا تطروني كما أطرت النصاري ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله!) ذلك ذوق العبد المحب، الذي ذاق ما العبودية لله العلي العظيم! ومن لم يذق – في مثل هذا – فلا سبيل إلى إفهامه!

 

وقد مدح الله الأنبياء السابقين فوصفهم بصفة العبودية له. قال سبحانه في شأن نوح عليه السلام:

{إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً}

(الإسراء: 3)

وقال في غيره: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ}

(ص:45).

وقال عز وجل: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}

(ص: 30)

، وقال: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ}

(ص17)

، وقال سبحانه: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ}

(ص: 41)

ثم وصفه فقال: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}

(ص: 44).

 

بل إن العبودية كانت – قبل ذلك وبعده – من أرقى مقامات الملائكة! قال تعالى يُجَهِّلُ الكفارَ الْمُمْتَئِتِينَ على الله:

{وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً}

(الزخرف: 19).

 

(العباد) إذن؛ هم الآمنون السالمون بإذن الله.. هم الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وما ذكر الخوف في شأنهم إلا لنكتة خاصة،

كما في قوله تعالى:

{ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ}

(الزمر: 16)

فمثل هذا إنما هو تخويف محبة لا تخويف بغض وغضب! إنه شأن المربي المشفق على من يربيه أن يكون من أهل الضلال.. كما هو شأن الأب الرؤوف – ولله المثل الأعلى – إذ يرى ابنه المحبوب يزل أو يضل أو يخطئ الطريق؛ فيهدده أو يخوفه بوسيلة من وسائل التخويف والإنذار، وهو إذ ذاك يضمر له في قلبه من الحب والإشفاق ما الله به عليم! والله عز وجل أرحم بعباده من الأم؛ إذ تحنو بثديها الثر على رضيعها! أن الله عز وجل قد قرر مبدأ ثابتاً قبل ذلك،

فقال سبحانه: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ}

(الشورى: 19)

وقال أيضاً: {وَاللَّهُ رَؤوفٌ بِالْعِبَادِ}

(البقرة: 207)

فالتخويف المذكور في الآية في شأن العباد إنما يفهم في ضوء

قوله تعالى: {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ}

(الزمر: 7)

. فهم (عباده) إذن وهو تعالى يرضى لهم ويكره. وكفى بذلك حباً رفيعاً!

 

ويا لروعة التعبير القرآني! إذ بفصل هذا المعنى الذي هو واقع منه تعالى بقصد  ( التخويف) التربوي، إذْ يكشف الله تعالى فيه عن جمال من سر الحب الإلهي عجيب! جمالٍ يضرب بأنواره الباهرة في أعماق الوجدان؛ فيبهر القلوب، ويخطف العواطف!

قال سبحانه: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون}

(يس: 30)..

يا سلام! نعم، صحيح أن الله تعالى – كما تنقل تفاسير السلف – لا يتحسر! وإنما يصور سبحانه بأسلوب جذاب أخاذ ما يقع بقلب العبد المؤمن من أسى وحسرة؛ إذ يشاهد مآل الكفار ومصيرهم البئيس التعيس، وما فرطوا فيه من النعيم المقيم والخير العميم! مما لا يملك معه الإنسان إلا الحسرة والأسى! بَيْدَ أن العبارة دالة أيضا على منتهى الرحمة في خطاب الله لعباده ولو كانوا كافرين! وأي قلب لا يتحسر إذ يدرك هذه الحقيقة الرهيبة؟ هؤلاء الناس الذين يتسابقون سراعا نحو هاوية الجحيم، يلقون بأنفسهم في غياباتها تباعاً! (يا حسرة!) والتعبير (بالحسرة) لا يكون إلا في سياق الأسى على فوت محبوب، أو ضياع مرغوب! ولذلك فهو دال على المحبة. والله عز وجل – تنزه عن التحسر – إذ ذكر ذلك مصوراً عاطفة إيمانية بشرية، سمى ألئك الكفار (عباداً)؛ لأن السياق سياق محبة وإشفاق! والأصل في الأمر الكوني أن الله تعالى يحب الناس، كل الناس وما كان يرضى لهم ما وقعوا فيه من كفر وضلال، فهو الذي قال:

{وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ}

(الزمر: 7)..

ولكن هم ظلموا أنفسهم إذ أغضبوا الله عز وجل!

{ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ}

(آل عمران: 182)..

أفلا يستوجب الأمر إذن أن تصرخ: "يا حسرةً على العباد!"؟.. كلمات في قمة البلاغة ودقة التعبير! كلمات ذات إيحاء لطيف لا يُكشف عن سره إلا ذوقاً!.. 


مقالات مرتبطة بـ الإشراق الثالث: في جمالية العباد - المشهد الأول: في جمالية (الانتساب) التعبدي- الجزء الثاني