الأساس الثالث

عمر سليمان الاشقر

الأساس الثالث :

الذي ترتكز عليه مباحث الصفات – كما يقول الشيخ الشنقيطي – قطع الأطماع عن إدراك حقيقة الكيفية ، لأنّ إدراك حقيقة الكيفية مستحيل . وهذا نص الله عليه في سورة ( طه ) حيث قال : ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً ) [ طه : 110 ] فقوله : ( يحيطون ) فعل مضارع ، والفعل الصناعي الذي يسمى بالفعل المضارع وفعل الأمر والفعل الماضي ينحلّ عند النحويين عن ( مصدر ، وزمن ) .
وقد حرّر علماء البلاغة في بحث الاستعارة التبعية أنّه ينحلّ عن ( مصدر ، وزمن ، ونسبة ) فالمصدر كامن في مفهومه إجماعاً ، ( فيحيطون ) تكمن في مفهومها ( الإحاطة ) ، فيتسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل ، ويكون معه كالنكرة المبنية على الفتح ، فيصير المعنى : لا إحاطة للعلم البشري بربّ السماوات والأرض .فينفي جنس أنواع الإحاطة عن كيفيتها ، فالإحاطة المسندة للعلم منفية عن ربّ العالمين .

 


وهذا الذي ذكره الشيخ العلامة من استحالة معرفة كيفية الله أو صفاته منطق سليم ؛ لأنّ العقل الإنساني مهما بلغ من الذكاء وقوة الإدراك قاصر غاية القصور وعاجز نهاية العجز عن معرفة حقائق الأشياء .
إنّ الإنسان عاجز عن معرفة حقيقة الروح التي تتردد بين جنبيه ، وعاجز عن معرفة حقيقة الضوء الذي هو من أظهر الأشياء لديه ، وعاجز عن إدراك حقيقة المادة ، وحقيقة الذرات التي تتألف منها المادة ، فكيف يطمح إلى معرفة حقيقة الذات والصفات الإلهية ؟

 


المنحرفون عن المنهج السليم وأسباب انحرافهم


والانحراف عن المنهج السليم في أسماء الله تعالى وصفاته قد جاء من الإخلال بأصل من الأصول الثلاثة التي ذكرناها ، ونستطيع أن نقسم انحراف الناس قديماً وحديثاً في أسماء وصفاته إلى ثلاثة أقسم :


أولاً : انحراف المشركين :
 
وانحراف المشركين ، ذكره ابن عباس وابن جريج ، ومجاهد ، فالمشركون عدلوا بأسماء الله تعالى عما هي عليه ، فسموا بها أوثانهم ، فزادوا ونقصوا ، فاشتقوا اللات من الله ، والعزّى من العزيز ، ومناة من المنان .
ومن إلحادهم تكذيبهم بجملة من أسماء الله تعالى ، كتكذيبهم باسم الرحمن ( وهم يكفرون بالرَّحمن ) [ الرعد : 30 ] ، ( وإذا قيل لهم اسجدوا للرَّحمن قالوا وما الرَّحمن ) [ الفرقان : 60 ] .
ويدخل في زمرة هؤلاء الذين يصفون الله بصفات النقص ، كقول خبثاء اليهود : ( إنَّ الله فقيرٌ ونحن أغنياء ) [ آل عمران : 181 ] ، وقولهم : ( يَدُ الله مغلولة غُلَّت أيديهم ولعنوا بما قالوا ) [ المائدة : 64 ] .

 


ثانياً : انحراف المشبهة :


وهؤلاء أثبتوا لله ما أثبته لنفسه ، ولكنّهم لم ينزهوا الله تعالى عن مشابهة المخلوقين ، فأعملوا من الآية الكريمة ( ليس كمثله شيءٌ وهو السَّميع البصير ) [ الشورى : 11 ] عجزها ، ولم يعملوا صدرها ، إذ لو أعملوا صدرها لعلموا أنّ الله لا يشبهه شيء ، ولما اجترؤوا على أن يقولوا قولتهم التي تقشعرّ لهولها الأبدان ، وتضطرب لها القلوب : إنّ لله يداً وبصراً وسمعاً كيدنا وسمعنا وبصرنا ، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .
وهؤلاء جعلوا معبودهم كالأصنام ، ولذا قال علماء السلف : ( المشبه يعبد وثناً ) ، وقد كفروا بمقالتهم هذه وخرجوا عن الملّة ، ومن هؤلاء داود الجواربي ، وهشام بن الحكم الرافضي ، وهذا الفريقان إلحادهما متقابل : فالأولون من المشركين جعلوا المخلوق بمنزلة الخالق وسووه به ، والمشبهة جعلوا الخالق بمنزلة الأجسام المخلوقة ، وشبهوه بها ، تعالى الله وتقدس عن إفكهم وضلالهم .

 


ثالثاً : انحراف النفاة وهم ثلاث فرق :


1- فريق نفوا الأسماء وما تدلّ عليه من المعاني ، ووصفوا الله تعالى بالعدم المحض ، وهؤلاء هم الجهمية ، والحقيقة أنّ تحريف هؤلاء تكذيب لله كتحريف المشركين .

 
2- وفريق أثبتوا ألفاظ أسمائه دون ما تضمنته من صفات الكمال ، فقالوا : رحمن رحيم بلا رحمة ، حكيم بلا حكمة ، قدير بلا قدرة ، سميع بلا سمع .. إلخ ، وهؤلاء هم المعتزلة .


3- وفريق ثالث : أثبت سبعاً من صفات المعاني ، وهي : الحياة ، والعلم ، والقدرة ، والإرادة ، والسمع ، والبصر ، والكلام ، ونفوا ، ما عداها ، وهؤلاء هم الأشاعرة . (1)


والمكذبون بأسماء الله وصفاته ، والمشبهون صفاته بصفات خلقه ، والنافون لأسمائه وصفاته – ضلالهم واضح ، إذ هم مشاقون لله ورسوله ، مكذبون للكتاب والسنة ، وأمرهم معلوم لا يحتاج إلى بيان .
أمّا الذين يحتاج إلى كشف ما في مقالتهم من زيف ، فهم أهل الكلام الذي يزعمون أنّهم ينزهون الله تعالى عن مشابهة المخلوقين ، وبهذا ينفون صفات الله تعالى التي وردت في الكتاب والسنة ، بحجة أنّها توهم التشبيه ، وليجؤون في سبيل ذلك إلى تأويل هذه الصفات تأويلاً يصرفها عن معانيها الحقة . (2)

-----------------------


(1) لم يذهب أبو الحسن الأشعري رحمه الله هذا المذهب كما سيأتي ذكر معتقده في صفات الباري تبارك وتعالى .
(2) حاول بعض المعاصرين كالشيخ حسن البنا والشيخ حسن أيوب وغيرهما أن يهونوا من خطيئة هؤلاء الذين عرفوا باسم (الخلف) ، وأن يقربوا بين وجهة نظر السلف والخلف ، ولكنَّ الحقيقة التي يجب أن تدرك أن مذهب الخلف الزاعمين أن ظاهر الصفات غير مراد المؤولين لها مذهب بعيد عن الصواب ، ولا لقاء بينه وبين مذهب السلف . ولا يشفع لبعض الخلف حسن نيتهم ، فحسن النية لا يجعل الباطل حقاً .

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ الأساس الثالث