اسم الحكيم يقتضي الإيمان بأن الله عز وجل حكيم في أحكامه وقضائه وقدره

عبد العزيز بن ناصر الجليل


  من كلام الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى يتبين أن اسم الحكيم يقتضي الإيمان بأن الله عز وجل حكيم في أحكامه وقضائه وقدره؛ فكما أنه حكيم في شرعه ودينه فهو حكيم في قضائه وقدره؛ لأن من المعلوم أن ما يحكم به سبحانه وتعالى ويقتضيه في هذا الكون نوعين من الحكم :

١ ـ حكم كوني قدري .

وهو قسمان :

ـ قسم يمكن مدافعته .

ـ قسم ليس في الوسع مدافعته .

٢ ـ حكم ديني شرعي :

والله سبحانه وتعالى حكيم عليم في أحكامه الكونية القدرية ، وحكيم عليم في أحكامه الدينية الشرعية . قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في (طريق الهجرتين):

" بل الأحكام ثلاثة :

الحكم الأول : حكم شرعي ديني :

فهذا حقه أن يتلقى بالمسالمة والتسليم وترك المنازعة ؛ بل الانقياد المحض، وهذا تسليم العبودية المحضة ؛ فلا يعارض بذوق ولا وجد ولا سياسة ولا قياس ولا تقليد ، ولا يرى إلى خلافه سبيلاً البتة ، وإنما هو الانقياد المحض والتسليم والإذعان والقبول .

فإذا تلقي بهذا التسليم والمسالمة،إقراراً وتصديقاً بقي هناك انقياد آخر،وتسليم آخر له، إرادة وتنفيذاً وعملاً ؛ فلا تكون له شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه ، كما لا تكون له شبهة تعارض إيمانه وإقراره ، وهذا حقيقة القلب السليم الذي سلم من شبهة تعارض الحق ، وشهوة تعارض الأمر ، فلا استمتع بخلاقه كما استمتع به الذين يتبعون الشهوات ، ولا خاض في الباطل خوض الذين يتبعون الشبهات ، بل اندرج خلاقه تحت الأمر ، واضمحل خوضه في معرفته بالحق ، فاطمأن إلى الله معرفة به ، ومحبة له ، وعلماً بأمره ، وإرادة لمرضاته ، فهذا حق الحكم الديني الشرعي .

الحكم الثاني: الحكم الكوني القدري، 

والذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة : والذي إذا حكم به يسخطه ويبغضه ويذم عليه ، فهذا حقه أن ينازع ويدافع بكل ممكن ولا يسالم البتة ، بل ينازع بالحكم الكوني أيضاً ، فينازع حكم الحق بالحق للحق ؛ فيدافع به وله،كما قال شيخ العارفين في وقته عبد القادر الجيلي :" الناس إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، وأنا انفتحت لي روزنة ، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق ، والعارف من يكون منازعاً للقدر لا واقفاً مع القدر " .

فإن ضاق ذرعك عن هذا ، فتأمل قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وقد عوتب على فراره من الطاعون ، فقيل له : أتفر من قدر الله ؟، فقال : " نفر من قدر الله إلى قدره ".

ثم كيف ينكر هذا الكلام من لا بقاء له في هذا العالم إلا به، ولا تتم له مصلحة إلا بموجبه؛فإنه إذا جاء قدرالجوع والعطش أوالبرد نازعه وترك الانقياد له ومسالمته ودفعه بقدر من الأكل والشرب واللباس ؛ فقد دفع قدر الله بقدره.

وكذا إذا وقع الحريق في داره ، فهذا بقدر الله ، فما بالله لا يستسلم له ويسالمه ويتلقاه بالإذعان؟، بل ينازعه ويدافعه بقدر الله، وما خرج في ذلك عن قدر الله.

وهكذا إذا أصابه مرض بقدر الله دافع هذا القدر ونازعه بكل ما يمكنه ؛ فإن غلبه وقهره حرص على دفع آثاره وموجباته بالأسباب التي نصبها الله لذلك، فيكون قد دفع القدر بالقدر ، ومن لم يستبصر في هذه المسألة ويعطيها حقها لزمه التعطيل للقدر أو الشرع شاء أو أبى ، فما للعبد ينازع أقدار الرب بأقداره في حظوظه ، وأسباب معاشه ، ومصالحه الدنيوية ، ولا ينازع أقداره في حق مولاه وأوامره ودينه ؟ وهل هذا إلا خروج عن العبودية ونقص في العلم بالله وصفاته وأحكامه ؟!.

ولو أن عدواً للإسلام قصده لكان هذا بقدر الله ، ويجب على كل مسلم دفع هذا القدر بقدر يحبه الله ؛وهو الجهاد باليد أو المال أو القلب،دفعاً لقدر الله بقدره ، فما للاستسلام والمسالمة هنا مدخل في العبودية ؛ اللهم إلا إذا بذل العبد جهده في المدافعة والمنازعة ، وخرج الأمر عن يده ، فحينئذ يبقى من أهل :

الحكم الثالث : وهو الحكم القدري الكوني الذي يجري على العبد بغير اختياره ، ولا طاقة له بدفعه ولا حيلة له في منازعته :

فهذا حقه أن يتلقى بالاستسلام والمسالمة،وترك المخاصمة، وأن يكون فيه كالميت بين يدي الغاسل،وكمن انكسربه المركب في لجة البحر وعجز عن السباحة ،وعن سبب يدنيه من النجاة ، فها هنا يحسن الاستسلام والمسالمة؛مع أن عليه في هذا الحكم عبوديات أخرى سوى التسليم والمسالمة، وهي أن يشهد عزة الحاكم في حكمه ، وعدله في قضائه ، وحكمته في جريانه عليه ، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطئه لم يكن ليصيبه ، وأن الكتاب الأول سبق بذلك قبل بدء الخليقة، فقد جف القلب بما يلقاه كل عبد،فمن رضي، فله الرضا،ومن سخط فله السخط.

ويشهد أن القدر ما أصابه إلا لحكمة اقتضاها اسم الحكيم جل جلاله وصفته الحكمة ، وأن القدر قد أصاب مواقعه ، وحل في المحل الذي ينبغي له أن ينزل به ، وأن ذلك أوجبه عدل الله وحكمته وعزته وعلمه وملكه العادل ، فهو موجب أسمائه الحسنى ، وصفاته العلى ، فله عليه أكمل حمد وأتمه ، كما له الحمد على جميع أفعاله وأوامره" اهـ.

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ اسم الحكيم يقتضي الإيمان بأن الله عز وجل حكيم في أحكامه وقضائه وقدره

  • لوازم الإيمان باسم الله (الحكيم)

    عبد العزيز بن ناصر الجليل

    الحقيقة الثانية : ومن لوازم الإيمان باسم الله (الحكيم) الإيمان بأن ما يقضيه الله عز وجل من أحكامه الكونية

    17/01/2019 199
  • كيف نؤمن بقدر الله

    فريق عمل الموقع

    القضاء والقدر وكيف نؤمن به مع بيان مراتب القدر الأربعة وعقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الشأن، والمسلم يؤمن بالقدر خيره وشره فهو أصل من أصول الإيمان

    04/10/2015 9920
  • كيف ترضى بقدر الله؟

    فريق عمل الموقع

    الرضا بقضاء الله وقدره وتعريفه وكيف يكون وموقف المسلم من المصائب والابتلاءات التي قد تصيبه في الحياة الدنيا مع بيان ثمرات الرضا بقدر الله تعالى

    03/10/2015 12065