استفادَتُك من الماضي.. مفهوم رباني نحو مستقبل مُشرق

نبيل جلهوم

أشرنا في الجزء الأول من المفاهيم الربانية إلى ماذا نعنى بالمفهوم الرباني ثم شرعنا في عرض بعض المفاهيم الربانية وتناولنا أولها: عن الصدقة وكيف أنها مفهوم رباني نحو البرّ وكل الخيرات، نستكمل هنا بعض المفاهيم الأخرى..
(4) استفادَتُك من الماضي.. مفهوم رباني نحو مستقبل مُشرق:
اجتهد دائماً أن تتعرف على ما قد كان في ماضيك من مواقف طيبة كانت أو سيئة، مفرحة كانت أو محزنة وادرس مواقفك القديمة تجاه الآخرين ومواقفهم تجاهك، وتعرّف على ما كان من مواطن الضعف في أعمالك وتخصصاتك وتصرفاتك وكيف تعاملت معها وتخطيتها، وعلى سيرتك الطويلة في مواقف حياتك المختلفة، ثم انظر نظرة الثاقب المتفحص واستفد من السلبيات بتحويلها إلى إيجابيات وإلى التقصير بتحويله إلى جبر وتجبير وإلى نقاط الضعف بتحويلها إلى نقاط قوة… وإلى نقاط القوة واحمد ربك عليها واسأله أن يبارك لك فيها، ثم خطّط لمستقبلك بعد ذلك تجد نفسك وقد حققت مستقبلاً باهراً مشرقاً بإذن الله، فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والمؤمن كيّسٌ فطن.
(5) مُحاسبتك لنفسك.. مفهوم رباني نحو تهذيبها وتقويمها:
كثيراً ماتتكالب على النفس مُعطيات وتطاحنات تشرخ شروخاً قوية في جدار صاحبها.. وهنا يحتاج بل وبالضرورة أن يحاسب العبد نفسه، كيف يتأدب مع الله، وكيف يتأدب مع الناس، وكيف يتأدب مع صاحبها، فلا يجدى تهذيب النفس فقط مع الله ثم إغفال تهذيبها مع صاحبها ومع الناس، أو تهذيبها مع صاحبها دون أن تتهذب مع ربها والناس، أو تهذيبها في تعاملها مع الناس برقي في المعاملة ورقة في القرب والهمسة ثم هو بربه قاطع ولنفسه مخادع.
فمحاسبة النفس تعنى التوازن في العلاقة الثلاثية:
الله "جل جلاله".. صاحب العلاقة التعبدية والإيمانية.
الناس.. أصحاب العلاقة الأخلاقية والسلوكية.
النفس.. صاحبة العلاقة الروحانية والترقية الذاتية، التي إذا حاكمها صاحبها وقوّمها وشدّد عليها لكانت النتيجة إفرازاً طبيعياً لنفس بمواصفات ذات ربانية عالية ونفسانية مهذبة راقية وروحاً ذات نور وشفافية ترسل بعبراتها العذبة العطاء والجمال لدنيا أحوج ما تكون اليوم لمثل هذه الأنفس التي يتحقق بها الخير وتتطاير منها الدرر وسُبل الخير والفضيلة وتقوم عليها نهضة الأمم وطهارة المجتمعات.

(6) عَمَلُك الصالح.. مفهوم رباني نحو السلعة الغالية:
لنعلم أن للجنة ثمن وتكاليف وأعمال:
* الإيمان والأعمال الصالحات:
{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَـٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 25].
* ضع الجنة دائماً نصب عينيك، واجعلها المركز الاستراتيجى لأهدافك، والأمل، والغاية، وجَنِّد كل ما تملك في سبيل الوصول إليها، فالمسلم في كل أحواله لا يفكر إلا بالجنان ونيل رضا الرحمن، يصلى من أجل رضا ربه ودخول جنته، يصوم الهواجر طلباً لرضى ربه، يبذل الخير أينما كان من أجل فسحة الجنان، فالصغير والكبير، والذكر والأنثى، والطائع والعاصي يتمنى أن تكون الجنة هي المقام الأبدي، فَأَوْقِفْ الجنة نُصبَ أعينك، تذكّرها في أحزانك وأفراحك في شغلك وفراغك وفي أسفارك وإقامتك.
* وإقرأ باستمرار قول ربك: {وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الاعراف: 43].
(7) تغيير نفسك.. مفهوم رباني نحو تغيير مَنْ هٌمْ حولك:
لايمكن أن تقوم لدولة الإسلام قائمة بدون أن يقيمها المسلمون أولاً في أنفسهم وسلوكياتهم وحالهم وأحوالهم، فهل تعتقد أنك من الممكن أن تغيّر مَنْ هم حولك دون أن تبدأ أنت بتغيير نفسك وتكون أمامهم المثل والقدوة، ألست معى في قول الله تعالى الذى يقول فيه: {إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [ الرعد: 11]، ألا تعلم أن هناك الكثيرون ممن كانوا على غير ديانة الإسلام وبعدما قرأوا فيه وعن عظمته وأخلاق النبي وجمال الإسلام وروعته وجدناهم قد دخلوا الإسلام حُبّاً وشوقاً وشغفاً لما قرأوه في بطون الكتب وأمهات المجلدات الإسلامية ثم ما أن أسلموا وبدأوا في تعاملاتهم مع المسلمين حتى وجدوا فارقاً كبيراً بين ما قرأوه عن الإسلام وبين ما يرونه من سلوكيات وأخلاقيات المسلمين فأُحبِطت أنفسهم وحمدوا ربهم أن أكرمهم باعتناق الإسلام والدخول فيه قبل أن يتعاملوا مع معتنقيه الأصليين.
وإلى لقاء في الجزء الثالث والأخير إن شاء الله.
 

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ استفادَتُك من الماضي.. مفهوم رباني نحو مستقبل مُشرق