إنّه الله

عامر الخميسي


الصبح مَن صَنَع إشراقَه؟

الغروب مَن حَبَكَ أشفاقه؟

البدر مَن خَلَقَ هلاله ومحاقَه؟

الفضاء مَن ركَّب أطباقه؟

الفقير مَن أزال إملاقَه؟

الرزق مَن ساقه؟ والعسل مَن أحلى مذاقَه؟

وصاغ ترياقه؟

والجفن مَن لطَّف أحداقه؟

النهر إلى البحر مَن ساقه؟

البحر مَن يعلم أسراره وأعماقه؟ وأجرى عليه البواخر العملاقة؟

السيل العرمرم مَن أجرى دفاقه؟ البعيد عن أهله مَن حرَّك أشواقه؟

الرعد المجلجل مَن الذي أطلق قبله إبراقه؟

واللهب مَن صنع فيه إحراقَه؟ والطَّعم مَن مايز أذواقه؟

أنت، يا إنسان:

مَن جَعَل لك نفسًا للخلد توَّاقة؟ ورُوحًا بحبِّ الحياة خفَّاقة؟

إنه الله

إنه الله

الفقير الذي أضحى غنيًّا، مَن الذي أغناه؟

والقويُّ الذي كان ضعيفًا، مَن الذي قوَّاه؟

والمستقيم الذي كان منحرفًا، مَن الذي هداه؟

والثَّرِيُّ الذي كان محرومًا، مَن الذي أعطاه؟

والصحيح الذي كان سقيمًا، مَن الذي شفاه؟

والسليم الذي كان ملدوغًا، من الذي حماه؟

والمنفق الذي كان معدمًا، مَن الذي حباه؟

والمسدَّد الذي تردَّد، مَن الذي وفَّق خُطاه؟

التاريخ مَن خَلَقَ أزمانه؟

الشجر مَن نظم أغصانه؟

السفينُ مَن ألهَمَ ربانه؟

الأبكم مَن فتق لسانه؟ والأصم مَن الذي أسمعه بيانه؟ والمذهول مَن الذي أرجع جَنَانَه؟

والمُقْعَد مَن حرَّك أركانه؟

الخطيب الألمعي مَن ألهَبَ وجدانه؟

والشاعر الألمعي مَن سبك نظمه وأوزانه؟

قلب الأم مَن صنع حنانه؟

المتشهِّد مَن حرَّك بنانه؟

إنه الله سبحانه

سبحانه سبحانه

أرسل محمدًا وبصَّرَك بالشَّرع، وخَلَقَ لك البصر وشقَّ لك السمع، وسخَّر لك ما في السماوات السبع والأرضين السبع، فوالذي خَلَقَ السماء ذات الرجع، والأرض ذات الصدع، لو شَكَرَه أهل الأرض والسماء والجن والإنس، وكلُّ مخلوقٍ في البرِّ والبحر، مِن أول الخليقةِ إلى قيام الساعة، ما قاموا بعشر عُشير ما أَنْعَم، ولا أدَّوا مقدارَ نقيرٍ مما أسبغ عليهم وأَلهَم.

حيٌّ لا يموت، حاضر لا يفوت، قيُّوم لا ينام، سميع لا يغفل، شهيد على كلِّ نفسٍ بما كسب، علم ما كان ويكون وما لم يكن وسيكون، ومالم يكن لو كان كيف يكون.

يعلم ما في البرِّ والبحر، وعدد حبَّات القطر، ويعلم السرَّ والجهر، وما خفي في كلِّ مسلكٍ وَعِر.

نَجَّى نوحًا مِن الكربات، وأنقَذَ يونس مِن الظلمات، وبرَّد النار لإبراهيم، وشقَّ البحر للكليم، يجتبي أولياءه، ويغيث أنبياءه، ويقرِّب أحبابه، ويزلف طلابه.

قادر مقتدر قدير، كم أزال من سلاطين! وكم أهلَكَ مِن أممٍ في الغابرين! وكم أباد مِن عروش للظالمين! أهلَكَ قارون وهامان وفرعون، يقول للشيء: كن فيكون، وما ربُّك بظلَّام للعالمين.

دمر ممالك عادٍ فأصبَحَت في مهبِّ الرِّيح، وقد قالوا: مَن أشدُّ منا قوَّة، وكانت لهم البيوت ذات العماد، وأهلَكَ ثمود الأشدَّاء الذين جابوا الصخر بالواد، وأغرَق فرعون وقومَه أهلَ البغي والعناد، وصبَّ عليهم مِن سمائه سوطَ عذاب، وهو للظالمين بالمرصاد.

الخلق خَلْقُه، والأمر أَمْرُه، والشرع شرعُه، والكون كونه، والأرض أرضه، والسماء سماؤه، ونحن هباءة في ملكه، لا نقدِّم ولا نؤخِّر، ولا نضر ولا ننفع، بيده كلُّ شيء، وإليه يرجع كل شيء، ويحكم في كل شيء.

آتَى سليمان ملك الأرض بقوله: "هب لي".

وأغرَقَ الأرض لنوحٍ بقوله: "إني مغلوب".

كلمتان توجَّهتا لرافع السماء بلا عمد، فأهلَكَ وملَّك.

أهلَكَ كلَّ شيء وأَغْرَقَه فصار كاليباب.

وملَّك ووهب؛ لأنَّه الملك الوهاب.

لطف بإبراهيم في النار، ورفع عيسى من الدار، وحمى الرسول وصاحبه في الغار، وقد أحاط بهما الكفار، فلم يروهما في وضح النهار.

الناس الفقراء ماذا يفعلون لك؟

هم عالة مثلك، جوعى كجوعك، عطشى كعطشك، عراة كعريك، فكن قويًّا بربِّك، قِفْ على بابه، ولُذْ بجنابه، وابكِ في محرابه.

أنت الفقير فاستمدَّ غناك من الغنيّ، أنت الضعيف فاستمدَّ قوَّتك من القويّ، أنت الذليل فاستمدَّ عزَّتك من العزيز، أنت الجاهل فاستمدَّ علمك من العليم، أنت المذنب فالتمس المغفرةَ من الغفَّار، أنت المحروم فاستمدَّ عطاءك من المعطي، أنت المضطرب فاستمدَّ ثباتك من القهَّار، أنت المكسور فاستمدَّ جَبْرَكَ من الجبَّار، أنت المحتاج فاستمد كفايتك مِن الوهاب، أنت لا شيء فاستمد وجودك من الواجد.

  ولعلَّني رغْمَ احتياجيَ أنْطَوي ** وألوذُ بالصلواتِ والخلواتِ

‏الناسُ تهجرني لعيبٍ واحدٍ ** والله يقبلني على علَّاتي!

نسَّقت ألف قصيدةٍ في فَهمهم ** والله يعرفني بِغير لُغاتِ

الناسُ عن وجعي ستغمض عينها ** والله داوَى موجعي بأناةِ

أُنسِيت من حُلو الوصال متاعبي ** وجَعلت سُبحان العظيم صلاتي

 

مَن وَقَفَ على بابه فلن يخيب، ومَن سَأَلَه لن يحرم، ومَن عبده لن يشقى، ومن استجار به لن يخذل، ومن انتصر به لا يهزم، ومَن اعتمد عليه لن يسقط، ومَن دعاه لن ييئس، ومَن رفع كفَّه لن تعود صفرًا.

فيا ليت شعري كيف ينساه عاقلٌ ** ونعماؤه تترى، وتترى جمائلُهْ
ويا عجبًا للمرء سِيقتْ صُروفُهُ ** إلى غير ذي زرعٍ، وسِيقتْ قوافلُهْ
ويا ساهرًا والليل أضناك طولُهُ ** وأضناك ما أضناك في القلب شاغلُهْ

 

كيف تنساه وكل نعمة فهي منه، وكل بليَّة هو دفعها، وكلُّ مصيبة هو أزاحها، وكل غُمَّة هو كَشَفَها، وكلُّ عيبٍ هو سَتَرَه.

أنت الفاني وهو الباقي، أنت الميِّت وهو الحي، أنت الضعيف وهو القوي، أنت الذليل وهو العزيز، أنت المخلوق وهو الخالق، أنت المملوك وهو الملك، أنت العبد وهو السيِّد، أنت الحقير وهو ملك الملوك.

استمطر غيث فضله، وانتظر بركة نواله، واستوهب جودَه وبرَّه.

كن غنيًّا به، فقيرًا إليه، متوكِّلًا عليه، مستمسكًا بحبله، راغبًا فيما عنده.

هو فحسب كافيك.

هو وحده مؤويك.

هو في الشدَّة كافيك.

في السخط مُرضيك.

في الفاقة مغنيك.

في الحرمان معطيك.

في البلاء منجيك.

ليس لك إله غيره، ولا لك باب دون بابه، ولن تجد مَن يسمع شكواك غيره، ولا مَن يطَّلع على كلِّ تفاصيل أَمْرِك سواه.

أمُدُّ يدي في غير يأسٍ لعلَّهُ ** يجود على عاصٍ كمثلي يُواصلُهْ
وأقرع أبوابَ السماوات راجيًا ** عطاءَ كريمٍ قطُّ ما خاب سائلُهْ
ومَنْ لي سوى الرحمن ربًّا وسيِّدًا ** ومَن غيرُه أُبدِيه ما الغيرُ جاهلُهْ
وهل لانكسار العبد إلَّا وليُّهُ ** وقد واربَ الأحزانَ، والهمُّ قاتلُهْ
إذا سُدَّتِ الأبوابُ ألقيتُ حاجتي ** إلى مَالِكِ الحاجاتِ غُرٌّ نوائلُهْ

 

نذنب كثيرًا، نعصي كثيرًا، نقصِّر كثيرًا، كم هفت أقدامنا إلى عصيانه! وكم أحجم إقدامنا عن طاعته! كم أسرفنا على أنفسنا بالمعاصي، ونعلم أنَّ بيدِه النواصي! ومع ذلك يحلم ويغفر، ويعفو ويصفح.

* ولحِلْمه سبحانه يُعصى فلم .. يعجل على عبدٍ عصى مَولاه

يأتيه معتذرًا فيقبل عذره .. كرمًا ويغفر عَمْدَهُ وخَطاهُ *

 

سمَّى نفسه التواب فرحًا بمقدم مَن يتوب، وهو المجيب لمَن دَعا ومَن غيره المجيب!

مَن أتاه وسَّع عليه، ومَن قَصَدَه نَظَرَ إليه، ومَن ناجاه قرَّبه منه، ومَن خافَه أمَّنه، ومَن استفتح به ألهمَه.

مَن الذي أنبت الزرع، وأدر الضرع، وأجرى السحاب، وأنزل الكتاب.

مَن الذي هدى السبل، وشفى العلل، وستر الخلل، وأدال الدول، وهوَّن الخَطْب الجَلَل.

إنه الله فالقُ الإصباح، ومجري الرِّياح، وخالق الأفراح والأتراح، فله الحمد ما ترنَّم طائر وصاح، أو بدا نور ولاح.


مقالات مرتبطة بـ إنّه الله