إصلاح القلوب

الشيخ سلمان العودة

الإسلام دعا إلى إصلاح القلب، واعتبر هذا سبباً للنجاة، حتى قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] فلا ينجو أحد يوم القيامة إلا أصحاب القلوب السليمة، وما قال: ببدن سليم أو بمظهر سليم! بل قال: بقلب سليم.

 

إذاً المعاملة معاملة قلوب أولاً، ومعاملة أعمال ثانياً، ليست قلوباً فقط، بل قلوب وأعمال، الرسول عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث المتفق عليه، حديث النعمان: {ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب}.

 

إذاً: كل الجسد يدور حول الملك -القلب- إذا صلح الملك صلحت الرعية، وإذا فسد الملك فسدت الرعية، فالأعضاء جنود، اليد، والرجل، والرأس، واللسان، إذا صلح الملك وهو القلب، صلحت هذه الجنود وهي الأعضاء، فصارت تسعى في طاعة القلب، فيملي عليها تعليمات صحيحة، يقول القلب الصالح للسان: تكلم بذكر الله، مر بالمعروف وانه عن المنكر، وادع إلى سبيل ربك، فيمتثل، ويقول لليد: أنفقي، فتمتثل، مري بالمعروف فتفعل، ويقول للرجل: امش إلى الطاعة فتفعل، ويقول للعين: انظري إلى ما يستحب النظر إليه فتفعل، ويقول للأذن: اسمعي ما يحب الله أن يسمع، فتفعل... وهكذا، تصبح الجنود كلها خدماً تسعى في طاعة هذا الآمر المتنفذ المتوج وهو القلب {ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله}.


 مقياس التقويم هو القلب 

 

 

أسألكم بالله أيها الإخوة! وأسأل نفسي: هل نحن الآن نعنى بإصلاح القلوب -سواء قلوبنا أو قلوب الناس الذين نعمل معهم وندعوهم ونعاشرهم- هل نحن نعنى بإصلاح القلوب أكثر من عنايتنا بإصلاح الظواهر؟

 

أم أن عنايتنا منصبة غالباً بإصلاح المظهر بحيث قد نفلح كما أسلفت في إصلاح المظهر، ويبقى القلب يتخبط في أمراضه وآفاته ومصائبه؟!

 

هذه كارثة لا يعلمها إلا الله.

 

إذاً: الإسلام دعا إلى إصلاح القلب.

 

بل أمرٌ آخر، جعله الإسلام مقياس التقويم والحكم على الآخرين يتعلق بحقيقة ما في قلوبهم قبل أن يتعلق بمظهرهم، حتى إنه جاء في الصحيح عن سعد رضي الله عنه: {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً ومعه مجموعة من أصحابه، فمر رجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل عنده جالس -وقد جاء في بعض الروايات أنه أبو ذر -قال: ما رأيك بهذا؟

 

قال: يا رسول الله! هذا رجل من خيار الناس، هذا حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال: أن يسمع لقوله -أي هذا رجل له مكانة- فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم مر رجل آخر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما رأيك في هذا؟

 

قال: يا رسول الله! هذا رجل من ضعفاء الناس، هذا حرّّي إن قال ألاَّ يسمع لقوله، وإن شفع ألاَّ يشفع، وإن خطب ألا ينكح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا -الثاني- خير من ملء الأرض من مثل هذا}.

 

يعني من الأول، فالمظهر ليس العبرة، والصحابي أجاب على حسب المظهر، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أجاب على حسب المخبر.

 

ومثله تماماً ما في الصحيحين عندما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من تكلموا في المهد ذكر أن صبياً تكلم في المهد.. والقصة هي:

 

كانت امرأة من بني إسرائيل ترضع ولدها، فمر رجل، فلما مر كان ذا شارة حسنة.. أمير أو وزير، حوله هيلمان وصولجان، وجنود وحشم وخدم وأعوان، فالمرأة قالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا، انظر المقاييس الدنيوية، تريد ابنها أن يكون ذا جاه؛ مثل أي واحد الآن يقول: أتمنى أن يكون ولدي مشيراً أو وزيراً أو طياراً... إلى آخره، هذه قالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا، وكان الصبي يرضع، فترك الصبي الثدي، وقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على الثدي يمصه، بعد ذلك مرت امرأة أمة، يلحقها الناس ويعيرونها، فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه، فترك الثدي، وقال: اللهم اجعلني مثلها، فتعجبت الأم وكان الأول جباراً من الجبابرة وهذه يقولون: سرقت ولم تسرق، وزنت، ولم تزن، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل!

 

فالمسألة ليست مسألة مظاهر وأبهات وصولجان وفخفخات وتطبيل ونفخ!

 

هذه كلها تضيع في الميزان، الميزان عند الله إنما توزن به الأعمال، وربك عزوجل يعلم السر وأخفى ويعلم كل شيء، فمقياس الناس هو بحقائقهم.

 

كان الرسول عليه الصلاة والسلام يوماً من الأيام جالساً يدعو كبار المشركين، فجاء رجل أعمى، وقال: يا رسول الله! علمني مما علمك الله -وهو عبد الله بن أم مكتوم- وكان الرسول مشغولاً بهؤلاء، فكأن الرسول عليه الصلاة والسلام عبس في وجهه، فعاتبه ربنا من فوق سبع سماوات، ونـزل قرآن يتلى إلى يوم القيامة: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى [عبس:1-4] إلى آخر الآيات، عتاباً للرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك.

 

ومع هذا لا يعني هذا أنك إذا أردت أن تحكم على الناس أن تتدخل في أسرارهم وخصوصياتهم وفيما لا يعنيك، لا!

 

فنحن ليس لنا إلا الظاهر، لكن المشكلة أحياناً أننا نغفل حتى عن الظاهر!

 

مثلاً: من منا يقيس الناس بصبرهم وبورعهم عن الحرام وببلائهم وجهادهم في سبيل الله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

 

تجد أننا نطري فلاناً، ونعطيه من الألقاب والهالات والتبجيل الشيء العظيم، وإذا جاءت القضية ليس لشيء سوى أن عنده بعض الصفات الخيرة الظاهرة، لكن باطنه لا ندري عنه، بل أقول: ربما يكون واعظاً في مسجد أو يلقي درساً!

 

نسأل الله أن يعفو عنا ويتوب علينا ولا يؤاخذنا بذنوبنا، لكن المهم ليس هذا فقط، بل المهم بلاء الإنسان وجهاده في الإسلام.. وصبره وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وعفته عن محارم الله، وتقواه وزهده، وصدقه مع الله تعالى، فتقيس الإنسان بقدر ما تعلم من ظاهره، أما الباطن فلا تتدخل في نيات الناس هذا ليس إليك.

 

كذلك فإن دعوتنا هي إلى إصلاح القلب، أما مسألة تقويم الناس والحكم عليهم -أيضاً- فيراعى فيها التزكية الخفية التي لا يستطيع الناس إدراكها، فقضية اعتبار الناس واحترامهم وتقديرهم هو الآن بحسب مظاهرهم؛ ولهذا مثلاً الناس قد يحترمون فلاناً لأنه ثري، أو وجيه، أو ذو سلطان، فيقدرونه، ويبجلونه، ويثنون عليه، مع أن واقعه لا يجعله مستحقاً لذلك.

 

هذا عائذ بن عمرو رضي الله عنه، روى كما في الصحيح {أن أبا سفيان -وأبو سفيان تعرفون أنه أسلم في عام الفتح أي تأخر إسلامه- مر على جماعة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، منهم: سلمان وصهيب، وبلال، وهؤلاء كانوا كلهم عبيداً -فلما مر أبو سفيان ورأوه- وكان أبو سفيان مشركاً، فقال بعضهم لبعض: والله ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها -معنى هذا أنه حي- فمر أبو بكر، فقال: تقولون هذا لسيد قريش وزعيمها أبي سفيان، ثم انصرف أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبره بما قال وما قالوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لعلك أسخطتهم يا أبا بكر، والله لئن كنت أسخطتهم لقد أسخطت ربك}.

 

عجيب والله!

 

هؤلاء: بلال وصهيب وعمار وسلمان في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

 

يقول النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر الصديق رضي الله عنه: {والله لئن كنت أسخطتهم لقد أسخطت ربك!}

 

صار رضا الله مرهوناً برضاهم، وسخطه مرهوناً بسخطهم، لماذا؟

 

لأن القضية قضية إيمان، وهؤلاء الناس أهل إيمان وتقوى، مثلما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: {آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار} وكذلك قال علي بن أبي طالب، في صحيح مسلم: {إنه لعهد عهده إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق} لأن القضية قضية إيمان؛ من تحقق في هذا الإيمان أصبح أهلاً لأن يحب بحب الله تعالى، ومن انسلخ من الإيمان يبغض لوجه الله تعالى، حتى ولو كان كبيراً وعظيماً وغنياً، بل حتى لو كنت محتاجاً إليه أنت، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم كما في السنن، وهو حديث صحيح، قال: {إذا جاءكم من ترضون دِيَنه وخُلُقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير}.

 

فما قال: من ترضون شكله، أو وظيفته، أو صفاته الخلقية، قال: دينه وخلقه وأمانته، فربط القضية بالدين، والدين مظهر ومخبر وباطن ولا بد من رعاية ذلك كله.

 

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ إصلاح القلوب

  • القلوب الحية

    عبد العزيز الطريفي

    القلوب الحية تشعر بالوحشة إذا نسيت ذكر الله فتذكره لتأنس به، وأما القلوب الميتة فتمر بها الأيام والأعوام ولا تشعر

    17/05/2019 111
  • إصلاح القلب ومنزلته بالنسبة للجسد

    الشيخ سلمان العودة

    الإسلام دعا إلى إصلاح القلب، واعتبر هذا سبباً للنجاة، حتى قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ

    04/09/2013 2887
  • أهمية القلب في أعمال العبد

    الشيخ سفر الحوالي

    فالقضية قضية القلب، وإنما الجوارح تتحرك وتعمل وتتأثر لما يحصل في القلب، كما بيَّن ذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

    23/04/2014 1742