أوراد الفطرة للعمل اليومي - الجزء الثاني

أوراد الفطرة للعمل اليومي - الجزء الثاني

الشيخ / فريد الانصاري

لاَ تَأْكُلِ الرِّبَا! فإنَّهُ شَرُّ الْمَالِ الْحَرَامِ!

المال الحرام: هو كل كسب حازه الإنسان على غير وجه مشروع. مما نتج عن الغصب، والرشوة، والغبن في البيع والغش فيه، والاستفادة المالية من المحرمات المطعومة والمشروبة، والنجسات والمتنجسات، إنتاجا وبيعا وخدمات. وكذلك أكل أموال الناس بالباطل، وبيع الأعراض، وحلوان الكاهن والساحر والعراف. وسائر أنواع السحت، وكل ما لا يصح تملكه، مما حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

إلا أن شر ذلك جميعا هو الربا! فالربا إعلان للحرب على الله! ومن حَارَبَ اللهَ حَارَبَهُ اللهُ! ومن حَارَبَهُ اللهُ – يَا وَيْلََهُ! - أَهْلَكَهُ! وألحق به الخرابَ في الدنيا، والعذاب الشديد في الآخرة والعياذ بالله! وإن المرء ليظن أنه بالربا قد جمع وعَمَّرَ وبَنَى! ذلك ما قد يبدو له في ظاهر الأمر، لكن الله تعالى له بالمرصاد، إذ يسلط عليه من المصائب والبلايا في نفسه وأسرته وحياته، ما يجعلُ مالَه عليه شقاءً ما بعده من شقاء! وقد يُخرج له من نفسه أو أبنائه من يخرب عليه دنياه قبل آخرته! أو يسلط عليه من الأمراض الفتاكة ما يجعله يذوي شيئا فشيئا، فلا ينفعه مالُه ولا جاهه وسلطانه! أو يجعل خاتمته إلى مهانة اجتماعية، ومذلة دنيوية، تقوده إلى السجن أو إلى أي هاوية يلقى فيها حتفه! إن من حارب اللهَ خاسرٌ لا محالة! وعجيب من لا يقدر اللهَ حق قَدْرِه!

(وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ! سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ!)

(الزمر: 67)

وما رأيت في كتاب الله ولا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقوبةً ولا نذارةً - بعد الشرك بالله - أشدَّ من عقوبة الربا! أوَ لا يكفي فيها أن يبوء صاحبُها بغضب الله ولعنته؟! فلا تستقيم له دنيا ولا يسعد بآخرة! تتبعه اللعنة أينما حل وارتحل! لا يقوم له شيء إلا انهار! ولا يَعْلُو له عُمْرَانٌ إلا ضربه إعصار الخراب! فماذا بعد ذلك من مصيبة وبلاء!؟

وليس عبثا أن ينطق الرسول بهذا البيان الإنذاري الرهيب في حق المرابين، مبينا مَهْلَكَةَ الربا، كم هي أشد وأخطر من غيرها! وكم هي أفظع من كثير من الكبائر والموبقات!

قال عليه الصلاة والسلام: (دِرْهَمٌ رِبَا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ أشَدُّ عِنْدَ اللهِ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلاَثِينَ زَنْيَةً!)

([1])

كذا!!

وإنما العجب كل العجب! ممن يتجرؤون على الترخص - بغير موجبات شرعية - في أمْرٍ مَدَاخِلُهُ مفتوحةٌ مباشرةً على أبواب جهنم! فاقرأ هذه الآيات وتدبر! هل تجد وعيداً أشدَّ منها!

قال الله جلَّ جلالُه: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ! ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا. فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ. وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ! يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ! إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ! فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ!)

(البقرة: 275-279).

ذلك هو الحق!

(فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ؟!)

(يونس: 32)

وكيف لا؟ وهذه لعنةُ الله تَتْرَى على لسان رسول الله، جحيماً يُلاَحِقُ المرابين أبداً، إلا أن يتوبوا إلى الله توبة نصوحاً! يستوي في ذلك آكِلُ الرِّبَا ومَنْ أعْطَى ثَمَنَهُ، ومن ضَمِنَهُ، وكل من أعان على عقوده، كتابةً وشهادةً وإدارةً، كلهم في لعنة الله سواء! ذلك صريح حديث رسول الله!

ففي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لَعَنَ اللهُ آكِلََ الرِّبَا ومُوكِلَهُ وشَاهِدَيْهِ وكَاتِبَهُ! هُمْ فِيهِ سَواءٌ!)

(2)

(وهو نص الحديث الصحيح: (فَمَنْ زَادَ أوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أرْبَى! وَالآخِذُ وَالْمُعْطِي سَوَاءٌ!)

([3])

والعجيب - بعد هذا وذاك - أن تجد بعض المشتغلين في صف "العمل الإسلامي" يتطاولون على هذا الحد الرباني العظيم! لِيُحِلُّوا مَا حرم الله! فيصورون النوازل كما يشتهون للعلماء، ويخرجونها لهم إخراجا حتى تُوهم الضرورةَ إيهاما؛ لاستصدار رخصةٍ في أمر عظيم!

(يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ!)

(النساء:142)

وكان أولى بالمحسوبين على أهل الفضل والصلاح، أن يأخذوا لأنفسهم في مثل هذا بأصل الاحتياط في الدين، وبمقام الورع!

وفي الحديث الصحيح: (خْيرُ دِينِكُم الوَرَعُ!)

(4)

ومن الأمور الربوية التي عم جهلها في هذا العصر، حتى لابسها بعض أهل الدين والصلاح! ما يعرف عند الفقهاء بـ"الربويات الستة". وهي: (الذهب والفضة، والقمح، والشعير، والتمر، والملح). وما ينوب عنها من النقديات المالية، ومن المطعومات الاقتياتية، مما هو داخل في معنى "المواد الضرورية للتغذية"، مما جرت به الأعراف والعادات في هذا الزمان، على حسب المناطق والشعوب. وهو ما ورد متواترَ المعنى في عدة أحاديث نبوية صحيحة، منها هذا النص الجامع المانع،

من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الذَّهَبُ بَالذَّهَبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والْبُرُّ بِالْبُرِّ، والشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ،  والتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، والْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، يَداً بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أرْبَى! وَالآخِذُ وَالْمُعْطِي سَواءٌ!)

(5)

وعليه؛ فإنه لا سير إلى الله إلا بعد حسم هذا مع النفس! ولا انطلاق في مدارج التربية والتزكية إلا بعد المفاصلة القاطعة لمداخل المال الحرام أنى كان! وليكن شعارك في تحقيق هذا التحدي العظيم - تخليةً وتحليةً -

قول الله تعالى: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى! وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا! لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى!)

(طه:131-132).

وأما الزنى والنظر الحرام فإنه يحرق الأسرار ويسلب الأنوار، ويطمس البصيرة، ويكون سببا في خراب الدنيا والدين! ولذلك فإن الله جلَّ جلالُه نهى المؤمنين عن الاقتراب من الزنى بله الوقوع فيه! فالمؤمن الكيس الفطن يتجنب الزنى المعنوي قبل الزنى الحسي! وذلك بمدافعة كل الخواطر التي تزين للنفس الشهوات الحرام، وباستقذار الفاحشة أنى كان شكلها، استقذاراً يجعلها تـثير الغثيان في النفس، وتنبعث بالنتانة! فلا تقع مظاهر الفسق من عري أو كلام بذيء، أو أيٍّ من خوارم الحياء، في قلب المؤمن إلا بغيضةً ممجوجةً!

وذلك كله مجموع في قوله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً!)

(الإسراء:32)

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم معنى قرب الزنى بحديثه الحكيم الذي يرويه أَبو هُرَيْرَةَ أنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال:

(إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزنى، أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ! فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ! وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ! وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي! وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ!)

(6)

( وهو بيان عجيب منه - صلى الله عليه وسلم - لمسلك المجاهدة، والتزكية للنفس، فيما يتعلق بأبواب الشهوات الحرام، مما وجب على المؤمن أن يتنـزه عنه ويترفع.

وَلِشِدَّةِ ما يُبغض الله الزنى وأهله فقد أعد لهم عذابا في الجحيم، ليس كأي عذابٍ والعياذ بالله! وقد عَرَضَ النبي - صلى الله عليه وسلم - لقطة واحدة من مشهد تعذيب الزناة رجالاً ونساءً! تملأ القلب هولا وفزعا! وذلك في حديث سمرة بن جندب في الرؤيا، حيث قال عليه الصلاة والسلام:

(فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ، أَعْلاَهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ، يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا! فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا! فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا! وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ!) ثم قال له الملَكان المكلفان بتطوافه: أمَّا (الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ!)

([7])

النظرة الحرام تقطع طريق الوصول:

ويعتبر النظر الحرام من أخطر مصائد الشيطان والعياذ بالله! فهو زيادة على ما يمكن أن يؤدي إليه من مهالك، يخرب الرصيد الإيماني للعبد فيما يبنيه من منازل عبر سلوكه إلى الله، وما يرتيقه من مقامات عبر عروجه نحو الوصول إلى مولاه!

ثم هو يثبط المبتدئ عن الانطلاق في شق طريق الصلاح، والسير الجاد إلى الله! كلما أراد البدء وجد ثقلا، وهو لا يدري ما يثقله عن المساجد والصلوات، والتخلص من وساوس الشيطان والشهوات! ولو جاهد نفسَه على غض بصره عن محارم الله، لوجد خفة في روحه، وقوة في عزيمته، ولاَنْتَصَرَ على حبال الشيطان التي تشده إلى التراب شدّاً!

فالنظر الحرام يحرق حصائد الصلاح، ويمنع تحليق الجناح! ثم يجعل عزيمة السير إلى الله - في رمشة عين - رماداً تذروه الرياح! ومن هنا فليس عبثا أن تجد التحذير منه صريحا في القرآن الكريم وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام!

قال تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ! ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ! وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ! وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا!)

(النور: 30-31)

وهذا أمر قد استهان به كثير من المسلمين، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يستهن به قط! بل قال في وصيته الحكيمة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه:

(يَا عَلِيُّ! لاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ! فإنَّ لَكَ الأُولَى، وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ!)

([8])

النظرةُ الحرامُ تَحْرِمُ العَالِمَ سِرَّهُ!

ومن أجمل ما نُقِلَ عن بديع الزمان سعيد النورسي - رحمه الله - في هذا الأمر حكمةٌ رفيعةٌ، تُشَدُّ إلى مثلها الرحال! وذلك أنه - رحمه الله - كان ضيفا عند بعض الأعيان من محبي العلم والعلماء، لمدة طويلة تزيد على بضعة أشهر، وكان لذلك الرجل بنات، يدخلن ويخرجن، والنورسي آنئذ في عز شبابه! فجاء عالِمٌ آخرُ فنـزل ضيفا ليومين أو ثلاث بنفس المكان، فجعل يحصي البنات ويميز الصغرى من الكبرى، فوجد بديعَ الزمان جاهلا بكل تلك التفاصيل والأوصاف، فسأله: لماذا لا تنظر إليهن؟ فأجابه النورسي بهذه الحكمة البالغة: (النظرةُ الحرامُ تَحْرِمُ العَالِمَ سِرَّهُ!)

والسبب في ذلك أن النظر الحرام في مثل هذه الأحوال خيانة! خيانة للعلم، وخيانة للدين، وخيانة للدعوة جميعا! ثم هو خيانة لأهل البيت ولأعراضهم! وما كان للخائن أن تكون له من أسرار!

وبهذا فسر ابن عباس - رضي الله عنهما -

قوله تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ!)

(غافر: 19)([9])

وقد ثبت - كما رأيت - بنصوص الكتاب والسنة، وكذلك بأقوال أهل العلم، وأصحاب الخبرة بمسالك التربية الإيمانية أن النظر الحرام من أخطر قُطَّاعِ الطرق على السالكين إلى الرحمن! وإنما المعصوم من عصمه الله!

وأما الخمر وما يلحق بها من مسكرات ومخدرات فإنها تمنع سير الروح أصلاً، وتحبسه ابتداءً. لأن صاحبها قد أسلم نفسَه لوثنية هواه! وما كان لمن لم يَخْلُصْ هواهُ لله الواحد القهار أن تفتح له الأبواب! فالمتلطخ بالرجس مرفوض في الملأ الأعلى! كذلك وصفها الله في محكم كتابه، ولا عبث في الدين بالتمني الكاذب على الله! قال جلَّ عُلاه:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ!)

(المائدة: 90)

. وإنه والله لا فلاح ولا نجاح للمسلم إلا بالاجتناب التام للخمر، والمقاطعة الشاملة لها، ولمسالكها، ولخدماتها، ولكل ما ينتج عنها أو بسببها من أرباح وأموال! ومن عَوَّلَ على السير إلى الله والوصول إليه تعالى، وهو ما يزال متلبسا بنجاستها، فقد غره الشيطان وتمنى على الله الأماني!

وقد سبق حديثُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حق شاربها، بما وصفه من رهيب الصفات!

فقال صلى الله عليه وسلم: (شَارِبُ الخمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ! وشَارِبُ الخمْرِ كَعَابِدِ اللاَّتِ والعُزَّى!)( ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: (مُدْمِنُ الخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ!)

(10)

وقد عرض عليه الصلاة والسلام ههنا أيضا لقطة من مشهد آخر، لمآل شارب الخمر، وما يخسره من رصيده العملي، فيما قد يكون له من حسنات سابقة أو مرافقة! فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

قَالَ: (كُلُّ مُخَمَّرٍ خَمْرٌ. وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ! وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا بُخِسَتْ صَلاَتُهُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا! فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ! قِيلَ: وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ! وَمَنْ سَقَاهُ صَغِيرًا لاَ يَعْرِفُ حَلَالَهُ مِنْ حَرَامِهِ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ!)

(11)

( ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَسَكِرَ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا! وَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ! فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَإِنْ عَادَ فَشَرِبَ فَسَكِرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا! فَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ! فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَإِنْ عَادَ فَشَرِبَ فَسَكِرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا! فَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ! فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ رَدَغَةِ الْخَبَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ! قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا رَدَغَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ!)

(12)

لاَ تَفُكَّ عَنِ الخمرِ حِصَارَ الشَّرِيعَةِ!

والمطلوب من المؤمن الصادق مقاطعةُ الخمر، شرباً، وإنتاجاً، وتجارةً، وزراعةً، وخدماتٍ! أنى كانت هذه الخدمات! ولو أن يكون حارسا، ليس لها فحسب، ولكن حتى لمزارعها المخصصة لها قصداً! والنصوص في ذلك كثيرة جداً!

منها قوله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ لَعَنَ الخمْرَ، وعَاصِرَهَا، ومُعْتَصِرَهَا، وشَارِبَهَا، وسَاقِيَهَا، وحَامِلَهَا، والْمَحْمُولَةَ إليه، وبَائِعَهَا، ومُشْتَرِيَهَا، وآكِلَ ثَمَنِهَا!)

(13)

( فالمقصود بهذا الحديث ضرب حصار اقتصادي واجتماعي على الخمر مطلقاً! فلا يجوز للمسلم فَكُّ هذا الحصار بأي خدمة من الخدمات يقدمها لها، بَدْءاً بزراعتها وانتهاءً ببعيها، والترويج لها، أو إشهارها، أو شراء أي شيء من المباحات أصلاً ولكن لخدمتها! ولو كان ذلك مجرد قلم أو ورقة، لضبط حسابها! أو عجلة لإصلاح شاحنتها! وقس على هذا وذاك قياسا صحيحا مليحا وَامْضِ! فلا شيء اتُّخِذَ في سبيل إنعاشها إلاَّ وهو ملعون عند الله، على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم!

وما كان لمن تنـزلت عليه اللعنة الإلهية أن ينطلق، ولا أن تُفتح له أبواب السماء؛ إلا أن يتوب إلى الله توبةً نصوحاً!

لا تجلس على مائدة يُدَارُ عليها خمر، ولو لم تكن لها شاربا!

والمؤمن الراغب فعلا في السير إلى الله وجب أن يتحلى بحساسية عالية جدا ضد الخمر وأهلها! فلا يجالسهم ولو مجرد مجالسة وهم على مائدة الخمر! بل ما وُضِعَتْ أُمُّ الخبائث بمكان إلا غادره المؤمن! إلا لضرورةٍ مُقَدَّرَةٍ بِقَدْرِهَا شرعا! فعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -

أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نَهَى عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ!)

(14)

( وقد ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بصفة الإيمان بالله واليوم الآخر! على عادته عليه الصلاة والسلام في الأمور المهمة في الدين! وهو قوله الصريح المليح:

(مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فلاَ يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ!) 

(15)

وبعد، فهذه أربعة أنصاب: (الخرافيات، والمال الحرام، والزنى، والخمر)، تنتصب – في هذا العصر – أوثانا في هوى الإنسان! فتخسف بإيمانه؛ ويكون من الخاسرين والعياذ بالله، إلا أن يتغمده الله برحمته! ومن هنا فإنه لا أمل في انطلاقه، ولا في استقامة سيره، وصلاح شأنه، إلا بمقاطعتها والتبرؤ منها جميعا. وإنما الموفق من وفقه الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

- الالتزام الرابع: إمساك اللسان عن فضول الكلام!

وهو ورد الصمت عما لا خير فيه من الكلام! وهو ملاك سائر الأعمال! إذْ بغيره لا يبقى لصاحبه دِينٌ ولا خُلُقٌ!

ولقد نَصَّ القرآنُ على أن كل ما يصدر عن الإنسان من أقوال، هي محصاة عليه إحصاءً دقيقاً! والله جلَّ جلالُه يعلم الكلمة قبل أن يتلفظ به المرء، بل يعلمها سبحانه وهي ما تزال خَطْرَةً في قلبه، أو وسوسةً في نفسه! فإذا تلفظ بها تلقفها الْمَلَكَانِ فَكُتِبَتْ له أو عليه!

وذلك هو صريح قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ! إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ! مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ!)

(ق: 16-18)

وتواترت السنة بالتحذير من خطورة آفة اللسان، وما تجره على المؤمن من خراب الأعمال! والارتكاس الرهيب في غيابات الجحيم! فعن بلال بن الحارث - رضي الله عنه -

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله تعالى مَا يَظُنُّ أن تَبْلُغَ ما بَلَغَتْ؛ فَيَكْتُبَ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إلى يَوْمِ القيامةِ! و إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله تعالى، مَا يََظُنُّ أنْ تَبْلُغَ ما بَلَغَتْ؛ فَيَكْتُبَ اللهُ عَلَيْهِ بها سَخَطَهُ إلى يَوْمِ القيامةِ!)

([16])

ولا أجِدُ أشدَّ نذيراً ولا أَرْهَبَ تحذيراً، مما ورد في حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - في آفة اللسان!

وقد أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما يُدْخِلُهُ الجنةَ من الأعمال وما ينجيه من النار، ثم قال عليه الصلاة والسلام في خاتمته: (أَلاَ أُخْبِرُكَ بِمَلاَكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ! فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا! فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ! وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ - أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ - إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ!؟)

(17)

ولذلك فقد أهدى عليه الصلاة والسلام للأمة هذه القاعدة اللسانية الاحتياطية الغالية!

فقال: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ!)

(18)

وهذا جامع لكل معاني النميمة، والغيبة، ونحو هذا وذاك من محرمات الأقوال، وسائر اللَّغْوِيَّاتِ الباطلة! بَلْهَ التلفظ بالشركيات! سواء كان ذلك جِدّاً أو هزلاً! ألاَ عَصَمَ اللهُ ألْسِنَتَنا جميعا من كل سوء!

 

  1.  أخرجه مسلم.
  2.  أخرجه مسلم.
  3.  أخرجه البزار، والطبراني في الأوسط، والحاكم عن حذيفة مرفوعا، كما أخرجه الحاكم عن سعد مرفوعا أيضا. وصححه الألباني، حديث رقم : 4214 في صحيح الجامع.
  4.  أخرجه مسلم. ومعناه الإجمالي: أنه لا يجوز استبدال ذهب بذهب، ولا فضة بفضة، إلا بشرطين اثنين. الأول: أن يكونا متساويين، والثاني: أن يتم التبادل يدا بيد، أي بدون تأخير في القبض أو العطاء من أحد الطرفين. وكذلك الأمر في سائر المطعومات الأربعة، إذا كانت البضاعة من صنف واحد، أي قمحا بقمح، أو شعيرا بشعير...إلخ. أما إذا اختلفت الأصناف كذهب بفضة، أو كقمح بشعير أو بتمر، فيجوز التفاضل أي بزيادة في أحد الطرفين، ولكن لا تجوز النسيئة، وهي تأخير أحدهما قبضا أو عطاء. بل لا بد من تمام التقابض في المجلس.
  5. ويقاس على الذهب والفضة النقود المعاصرة، فما يشترط في الصنف الواحد منهما يشترط في الصنف الواحد من العملات الآن. وكذلك إذا اختلفت الأصناف النقدية كاستبدال عملة بأخرى غيرها، جاز آنئذ التفاضل وامتنع التأخير. كما يُقاس الْمُقْتَاتُ الْمُدَّخَرُ من المواد الغذائية المختلفة اليوم على ما ذُكر في الحديث، كالأرز مثلا بالنسبة للبلاد التي تقتات به، فيجري عليه نفس الحكم مع نفسه، ومع غيره من المواد الغذائية الضرورية لقوت الناس، على حسب العرف والعادة الجارية. فكل ذلك يجري على القاعدة المذكورة أعلاه.
  6. هذا معناه العام على الإجمال دون تفصيل. وإنما القصد ههنا التنبيه. وفيه اجتهاداتٌ مختلفةٌ تعليلاً وتنـزيلاً، لدى القدماءِ والْمُحْدَثِينَ. وله نوازل لا تنحصر، والواجب على المؤمن أن يرجع فيما يُلِمُّ بِهِ من ذلك إلى استفتاء ثقاة العلماء. فلا يُقْدِمُ على عَمَلٍ حتى يعلم حكم الله فيه.
  7.  متفق عليه.
  8. متفق عليه.
  9.  أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم، عن بريدة مرفوعا. وحسنه الألباني. حديث رقم : 7953 في صحيح الجامع.
  10. قال ابن عباس: (في قوله تعالى: "يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور": هو الرجلُ يدخل على أهل البيتِ بيتَهم، وفيهم المرأة الحسناء (...) فإذا غفلوا لحظ إليها! فإذا فطنوا غض بصره عنها! فإذا غفلوا لحظ، فإذا فطنوا غض!) تفسير ابن كثير: 4/76.
  11.  أخرجه الحارث عن عبد الله بن عمرو مرفوعا. وصححه الألباني، حديث رقم: 3701 في صحيح الجامع.
  12.  أخرجه البخاري في تاريخه، والبيهقي، عن أبي هريرة مرفوعا. وصححه الألباني. حديث رقم: 5861 في صحيح الجامع.
  13.  أخرجه أبو دود عن ابن عباس مرفوعا. وصححه الألباني. حديث رقم: 4548 في صحيح الجامع.
  14. أخرجه ابن ماجه وأحمد والدارمي عن عبد الله بن عمرو. وصححه الألباني. حديث رقم: 6313 في صحيح الجامع.
  15.  أخرجه أبو داود. والحاكم، والبيهقي، عن عبد الله بن عمر مرفوعا. وصححه الألباني. حديث رقم: 1802 في صحيح الجامع. كما أخرجه الطبراني والحاكم والبيهقي والضياء عن ابن عباس. وصححه الألباني في صحيح الجامع.
  16.  أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم عن ابن عمر. وحسنه الألباني. حديث رقم: 6874 في صحيح الجامع.
  17.  أخرجه الترمذي والحاكم عن جابر. وحسنه الألباني، حديث رقم : 6506 في صحيح الجامع.
  18.  أخرجه مالك، وأحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، عن بلال بن الحارث. وصححه الألباني. حديث رقم : 1619 في صحيح الجامع.
  19.  أخرجه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، عن أبي هريرة. وصححه الألباني، حديث رقم : 1618 في صحيح الجامع.
  20. رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي. وقَالَ الترمذي: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ". كما صححه الألباني في صحيح الجامع.
  21.  متفق عليه.


مقالات مرتبطة بـ أوراد الفطرة للعمل اليومي - الجزء الثاني